Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الأوقاف التعليمية.. صمام أمان لتمويل مشروعات الجامعات

13

رغم تحديات الإدارة والحوكمة

A A
في ظلِّ التحوُّلات الكبيرة، التي يشهدها العالم في نظم التمويل التعليميِّ، والنماذج الدوليَّة المتقدِّمة القائمة على الأوقاف الجامعيَّة، باعتبارها أحد أقوى مصادر الدَّخل المُستدام، يبرز اليوم في المملكة طرحٌ مهمٌّ يتجدَّد النقاش حوله بصورة أكثر إلحاحًا من أيِّ وقت مضى، يتمثَّل في الدعوة لإنشاء صندوق وقفيٍّ وطنيٍّ لدعم الجامعات الحكوميَّة والأهليَّة، في وقت تتزايد فيه الأعباء الاقتصاديَّة؛ ممَّا يؤدِّى إلى صعوبة الاعتماد على مصدر واحد للتمويل، سواء كان ميزانيَّات حكوميَّة، أو رسومًا دراسيَّة.

ويأتي هذا الطرح انطلاقًا من النجاح العالميِّ اللَّامع للنماذج الوقفيَّة التعليميَّة، حيث إنَّ معظم الجامعات الدوليَّة الكُبْرى مثل هارفارد وييل، وستانفورد، ومعهد ماساتشوستس للتقنية، تعتمد على صناديق استثماريَّة وقفيَّة تمثِّل العمود الفقري لاستدامة برامجها الأكاديميَّة، والبحثيَّة، والبنية التحتيَّة، وتطوير الكفاءات، واستقطاب الخبرات.

ويؤكِّد أكاديميُّون وخبراءُ في الأوقاف أنَّ التفكير في إنشاء صندوق وقفيٍّ لم يعد خيارًا ترفيهيًّا، أو مجرَّد فكرة نظريَّة، بل يشكِّل ضرورة عمليَّة تفرضها الظروف الراهنة، والتوسُّع في متطلَّبات التعليم الحديث.

خطوة إستراتيجية محورية

في البداية أكَّد مدير جامعة أُمِّ القُرَى -السَّابق- الدكتور بكري بن معتوق عساس، أنَّ فكرة إنشاء صندوق وقفيٍّ وطنيٍّ لدعم الجامعات تمثِّل خطوة إستراتيجيَّة محوريَّة في مسيرة التعليم الجامعيِّ بالمملكة، خصوصًا في ظلِّ المتغيِّرات الاقتصاديَّة المتسارعة عالميًّا، وتزايد متطلَّبات التعليم الحديث الذي يعتمد على بنى تحتيَّة متطوِّرة، وتقنيات بحثيَّة متقدِّمة.

وقال إنَّ تجارب الدول الرَّائدة في التعليم، توضِّح بجلاء أنَّ الاستدامة الماليَّة هي الأساس الأوَّل لنهضة الجامعات، وقدرتها على المنافسة عالميًّا، مشيرًا إلى أنَّ الجامعات الكُبْرى في العالم مثل هارفارد وييل، وستانفورد، ومعهد ماساتشوستس للتقنية لم تبلغ مكانتها إلَّا بفضل صناديق وقفيَّة مستقرَّة مكَّنتها من التخطيط طويل المدى، دون أنْ تكون أسيرة تقلُّبات التمويل السنويِّ، أو الأعباء الماليَّة.

وأضاف إنَّ الوقف التعليمي ليس مجرَّد مصدر ماليٍّ تكميليٍّ، بل هو رافعة إستراتيجيَّة تبني استقلاليَّة فعليَّة للجامعات، وتمكِّنها من تنفيذ مشروعات نوعيَّة لا يمكن تمويلها من مصادر تشغيليَّة قصيرة الأجل، إلى جانب دوره في تمويل المنح الدراسيَّة للطلاب المتفوِّقين، والموهوبين، وذوي الدخل المحدود، بما يعزِّز العدالة التعليميَّة، واستقطاب العقول المتميِّزة.

تمويل المشروعات

ويشير الأكاديميُّ الجامعيُّ الدكتورُ هليل محيسن العميري إلى أهميَّة إنشاء صندوق وقفيٍّ للجامعات؛ بهدف تمويل برامج البحث العلميِّ التطبيقيَّة التي أصبحت محورًا رئيسًا للمنافسة الدوليَّة، وتصنيف الجامعات عالميًّا، بالإضافة إلى تمويل المشروعات والمراكز المتخصِّصة في الذَّكاء الاصطناعيِّ والتقنيات الإستراتيجيَّة، وهي مشروعات تحتاج ميزانيَّات ضخمة لا يمكن أنْ تعتمد فقط على ميزانيَّات تشغيليَّة، أو رسوم دراسيَّة.

كما يؤكِّد أنَّ الصندوق الوقفيَّ يمكن أنْ يلعب دورًا محوريًّا في توفير منح دراسيَّة متكاملة للطلاب المتفوِّقِينَ، والموهوبِينَ، وذوي الظروف الاقتصاديَّة الصَّعبة، بما يسهم في تعزيز العدالة التعليميَّة، ويتيح للجامعات استقطاب أفضل العقول دون النَّظر إلى العبء الماليِّ.

نموذج رائد فى التعليم المستدام

وفي جانب آخر، يبرز رأي الخبير في الأوقاف والاستثمار المؤسسيِّ فايز العتيبي، والذي يؤكِّد فيه أنَّ الوقف التعليميَّ هو أعظم ما يمكن للإنسان أنْ يقدِّمه لأجيال المستقبل، كما يُعدُّ فرصةً تاريخيَّةً لبناء نموذجٍ وطنيٍّ رائدٍ في تمويل التعليم المُستدام.

ويشير إلى أنَّ مثل هذا الصندوق إذا تمَّت إدارته بصيغة احترافيَّة حديثة، يمكن أنْ يكون واحدةً من أهم الأدوات الاقتصاديَّة في بناء اقتصاد معرفيٍّ قويٍّ.

ويمكن أنْ يعتمد على أصول متنوِّعة تشمل الاستثمارات العقاريَّة الكُبْرى والمشروعات التجاريَّة، والأصول الماليَّة، والمحافظ الاستثماريَّة طويلة الأمد، إضافةً إلى إمكانيَّة دمج أوقاف قائمة، أو ممتلكات تابعة لبعض الجهات الرَّاغبة في الإسهام في دعم التعليم.

تحدِّيات فى التحوُّل

ويشرح الخبير فايز أنَّ أهم التحدِّيات التي تواجه الصناديق الوقفيَّة عمومًا، تتمثَّل في ضعف الحوكمة في بعض النماذج التقليديَّة، وغياب المعايير الاحترافيَّة في الإدارة الاستثماريَّة، إضافةً إلى بطء تحويل الأصول الوقفيَّة إلى قيمة اقتصاديَّة فعَّالة.

ويؤكِّد أنَّ النجاح يعتمد بدرجة كبيرة على وجود مجلس إدارة مستقلٍّ يضمُّ خبراءَ ماليِّينَ واستثماريِّينَ، وأكاديميِّينَ مختصِّينَ، وإدارة تنفيذيَّة على أعلى مستوى احترافيٍّ، مع اعتماد نظام مراقبة ماليَّة، وتدقيق دوريَّين؛ لضمان أعلى مستويات الشفافيَّة والثِّقة والمساءلة.

ربط الدعم بالاحتياج الفعلي

أمَّا فيما يتعلَّق بأولويَّات الصندوق الوقفيِّ الجامعيِّ، فيؤكد الدكتور محمد فريج الهذلي، أنَّ التوجُّه الأنسب يتمثَّل في التركيز على تمويل البحوث العلميَّة التطبيقيَّة، وصناعة الابتكار وريادة الأعمال التقنية داخل الجامعات، ويشير إلى أنَّ آليَّة توزيع عوائد الصندوق يجب أنْ تعتمد على الاحتياج الفعليِّ، والتميُّز العلميِّ والبحثيِّ، بحيث تضمن العدالة التامَّة بين الجامعات، وتحقق الأهداف الوطنيَّة للتعليم العالي كقوَّة إستراتيجيَّة للدولة.

وأشار إلى أنَّ الصندوق سيشكِّل نقطة تحوُّل تاريخيَّة في مسيرة التَّعليم، وسيضمن استقلالًا ماليًّا يسمح للمؤسَّسات الأكاديميَّة بأنْ تعمل وفق خطط طويلة المدى، دون أيِّ قلق يفرضه التمويل السنويُّ المتغيِّر، كما سيضع المملكة في موقع متقدِّم عالميًّا بين الدول التي بنت تعليمها على أسس استدامة اقتصاديَّة قويَّة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store