Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ. د. عبدالرحمن سعد العرابي

أسطورة تسمية الطائف

A A
نقل مؤرِّخُون سابقُون ممَّن كتب عن الطَّائف، منهم الأزرقي في كتابه «أخبار مكَّة»، والعبدري الميورقي في كتابه «بهجة المهج»، وابن عراق الكناني في كتابه «نشر اللَّطائف»، وعنهم أخذ كثيرُون من المحدثِينَ ممَّن كتب عن تاريخ الطَّائف، وهم يُرجِعُون أصل ما ينقلُونَه إلى ياقوت الحمويِّ في معجم البلدان، وإلى ابن الأثير في الكامل، وإلى المقدسي في البدء والتاريخ.

في رواية عن سبب تسمية الطَّائف تقول: «إنَّ نبيَّ اللهَ إبراهيمَ -عليهِ السَّلامُ- لما قال: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ «سورة إبراهيم آية 37»، بعث الله -عزَّ وجلَّ- لدعوة إبراهيمَ، المَلَكَ جبريلَ -عليه السَّلامُ- من ليله، فاقتلعَ الطَّائفَ من الشَّام من تُخوم الثَّرى، بعيونِها، وأثمارِها، ومزارعِها، وأمرَهُ أنْ يقدِّسَ الطَّائف، وكانَ لهَا اسمٌ غير الطَّائف، فطافَ بها البيتَ العتيقَ سبعًا، ثمَّ وضعَها مكانَها اليوم، فَسُمِّيت الطَّائف؛ لأنَّها طِيفَ بهَا بالبيتِ»، وينسبُونَ الرِّواية إلى عبدالله بن عباس -رَضِيَ اللهُ عنهما-. وهذه الرِّواية كما يقولُ الدكتور عبدالجبار العبيدي لا يمكنُ أنْ تكون مقبولةً علميًّا، إنَّما هي وَهْمٌ لا يمتُّ للحقيقة بِصِلَةٍ، ولا يتَّفق مع النَّظرة الواقعيَّة للعلم، وإن كانت مقبولةً شعرًا وخيالًا.

يزيد العبدري الميورقي في الرِّواية فيقول: «رَوَى الحافظُ أحمد بن هارون ابن عات في مجالسه في قولهِ تعَالَى: (عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ) «سورة القلم آية 32»، أنَّ هذه الجنَّة كانت بالطَّائف، فاقتلعَها جبريلُ -عليهِ السَّلامُ- وطافَ بها بالبيتِ (أي الكعبة) سبعًا، ثمَّ ردَّهَا مقامَهَا اليوم. يقول هو: فتكونُ تلك البقعةُ من بين سائر بقعِ الطَّائف، طِيفَ بهَا البيت مرَّتَين فِي وَقتَين».

هذه الرِّوايات، والتي يكاد يكون إجماعٌ بين المؤرِّخِين على صحَّتها، والتي تنسبها إلى جبريل -عليهِ السَّلامُ- ما يؤيِّد أنَّها تتعارضُ في كلِّيتها مع المنطق والعقل. فالعلمُ يبيِّن أنَّ وجود الطَّائف في منطقة جبليَّة مرتفعة، يجعلها تتمتَّع بمناخِ واعتدالِ هواءِ المناطق الجبليَّة، مثلها في ذلك مثل غيرها من المدن الجبليَّة كالباحة، وأبها. ولعلَّ ما ذكره المؤرِّخُ العربيُّ المعاصرُ جواد علي -في كتابه الموسوعيِّ «تاريخ العرب قبل الإسلام»- عن هذه الرِّوايات دليل على أسطوريَّتِها فهو يقول: «اكسبتْ هذهِ الرِّواياتُ الطَّائفَ قدسيَّةً، وجعلتْ لهَا مكانةً دينيَّةً، وهي رواياتٌ يبدو أنَّها وُضِعت بتأثيرٍ من سادات ثقيف المتعصِّبِينَ لمدينتهم، والذين كانُوا يرونَ أنَّ مدينتَهم ليستْ بأقل شأنًا من مكَّة، أو يثرب، وقد كان بها ساداتٌ وأشرافٌ، كانوا أصحابَ مالٍ وثراءٍ».

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store