ثوران بركان هايلي غوبي في إثيوبيا، الذي وقع بصورة مفاجئة، أعاد تسليط الضوء على قوة البراكين، وقدرتها الهائلة على التأثير في حياة البشر، مهما ابتعدُوا عنها، فهو واحد من البراكين التي ظلَّت ساكنةً لفترة طويلة بلغت عشرة آلاف سنه تقريبًا، قبل أنْ يستيقظ بطريقة تثير الدهشة والاهتمام العلمي.
خلال لحظات، أطلق البركان كميَّاتٍ ضخمةً من الرَّماد، والغازات إلى طبقات الجو العُليا، فالتقطتها الرِّياحُ، ودفعتها شرقًا لمسافات بعيدة، وصلت إلى شبه القارة الهنديَّة، وتشير تقديرات المختصِّين إلى احتمال وصول هذه السُّحب إلى مناطق في أطراف الصِّين، الأمر الذي يعكس مدى قوَّة اندفاع المواد البركانيَّة، وانتشارها عبر الغلاف الجويِّ. هذا الانتقال السريع للرماد ليس أمرًا جديدًا في الثورانات الكُبرى، لكنَّه يشكل تحديًّا حقيقيًّا للطيران؛ نظرًا لطبيعة الجزيئات التي يحملها. فالرماد البركانيُّ يتكوَّن من شظايا زجاجيَّة، وصخور مطحونة، ومعادن دقيقة تبقى معلَّقةً في الهواء لفترات طويلة، وعندما تصل إلى مسارات الطَّائرات تشكِّل خطرًا؛ لأنَّ دخولها إلى المحرِّكات قد يؤدِّي إلى ذوبانها بفعل الحرارة العالية، وتحوُّلها إلى مادة لزجة تلتصق بشفرات التوربين. وقد تتسبَّب هذه العمليَّة في إضعاف قدرة المحرِّك، أو توقفه مؤقتًا، وهو ما يجعل شركات الطيران شديدة الحرص على متابعة تقارير المراقبة الجويَّة؛ لتجنُّب أيِّ مسارات قد تمرُّ عبر سحب رماد غير مرئيَّة بالعين المجرَّدة.
ومن جانب آخر يمكن للغازات المنبعثة من البركان، خصوصًا ثاني أكسيد الكبريت، أنْ تُحدث تأثيراتٍ بيئيَّةً في المناطق التي تشهد أمطارًا كثيفةً.
فعندما يمتزج الغاز ببخار الماء في الجوِّ، يتشكَّل مركبٌ حمضيٌّ خفيفٌ يذوب في قطرات المطر، وعند سقوطه يمكن أنْ يؤدِّي إلى ما يُعرف بالأمطار الحامضيَّة. وعلى الرغم من أنَّ تأثير هذه الأمطار قد يكون محدودًا في كثير من الحالات، فإنَّ تكرارها قد يترك آثارًا واضحةً على التربة والنباتات والأسطح المعدنيَّة، كما قد يغيِّر من جودة المياه في المناطق المتأثِّرة.
وحتَّى الآن لازال الوقتُ مبكِّرًا لمعرفة الأسباب الحقيقيَّة وراء صحوة هايلي غوبي المفاجئة، فقلة الدراسات السابقة عن هذا البركان تجعل فهم سلوكه مسألة تتطلَّب وقتًا وجهدًا في جمع البيانات وتحليلها. ومع ذلك فإنَّ هذا الحدث يذكِّر بأنَّ النشاط البركانيَّ جزءٌ أساسٌ من ديناميكيَّة الأرض، وأنَّ الرصد العلميَّ والتوعية العامَّة يظلَّان الوسيلتَينِ الأهم للتَّعامل مع مثل هذه الظواهر، وفهم تأثيراتها بعيدًا عن التهويل، أو التقليل من شأنها، فالفهم الواضح يساعد على تقدير المخاطر الحقيقيَّة، والتَّصرف بوعي أمام قوَّة البراكين، وتأثيراتها الواسعة.


