Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. محمد سالم الغامدي

الفجوة بين الإسلام والمسلمين

A A
عندما خلق الله تعالى الجنَّ والإنسَ، لم يخلقهم عبثًا، بل خلقهم لعبادته، وعمارة الأرض، كما في قولهِ تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وبما أنَّ الله خلقنا لعبادته، وعمارة الأرض، فقد وضع لنا سبحانه دينًا ليكون لنا منهجًا ربانيًّا لنعبده من خلاله، ونعمر أرضه، وهو دينُ الإسلامِ، وجعل لهذا الدِّين مبادئ وواجبات، وقيم وسلوكات؛ كي تبرز ذلك الدِّين في صورته الربانيَّة المتكاملة، وبين كل ذلك في كتابه القرآن الكريم، فماذا يقصد بدين الإسلام؟ وما هي تلك المبادئ، والواجبات، والقيم، والسلوكات التي أكَّد عليها الله سبحانه في كتابه التي من خلالها تبرز معايير تقييم ذلك المسلم عند الله، فما هو الإسلام؟ ومَن هُم المسلمون؟

الإسلام هو: عبادة الله وحده لا شريك له، فإذا تمَّت تلك الوحدانيَّة، وعدم الإشراك في عبادة الله، أصبح ذلك الإنسان مسلمًا، ينطبق عليه ذلك المسمَّى، ولكن لذاك المسمَّى معايير تفضيل بين البشر، تتَّضح من خلال التزامه بتلك المبادئ والواجبات والقيم والسلوكات، وهنا تتحدَّد المراتب التي قال الله عنها: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ)، وهذا بالطبع يدفعنا لتبيان تلك المبادئ والواجبات والقيم والسلوكات.

ولنبدأ بمطلب دخول هذا الدِّين الحنيف، وهو وحدانية الله تعالى، وعدم الإشراك به كما في قوله تعالى: (وَمَن يَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكَافِرُون)، فهل تمَّ ذلك عند كل المسلمِين كما هو ذلك الأمر والتوجيه الرباني؟ بالطبع لم يتم عند كل المسلمين، بل خالفه البعض بالقدح في بعض الرُّسل، وبعض الكُتب السَّماويَّة بالطعن فيها، أو تحريف ما ورد فيها، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، كما في قوله تعالى:

(وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)، وهنا نجد البعض من المسلمين لم يطبِّقوا هذا الأمر كما اراد الله، إمَّا جهلًا، أو اتِّباعًا لفتاوى باطلة، كالخطأ في مفهوم الصَّلاة التي اعتبرها البعض مجرَّد حركات فيها ركوع وسجود، بينما الصلاة بمفهومها الشامل تُعدُّ الصِّلة بالله تعالى، من خلال الدعاء، والتوسل، والرجاء بالله في كل وقت وزمان.

ومن القيم والسلوكات المستوجب على المسلم الالتزام بها كمتطلَّب شرعيِّ ورد في كتاب الله كالصدق، كما في قوله تعالى: (أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)، لكن -للأسف الشديد- الكذب أصبح الغالب على ممارساتهم الحياتيَّة، والأمانة، والعدل، كما في قوله تعالى:(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) وكم هم كثر مَن يفرِّطُون في تلك الأمانة، ولا يعدلُون في أغلب معاملاتهم الحياتيَّة، وهم مسلمون، والمساواة والوفاء بالعهود كما في قوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا)، وغيرها من القيم.

وصيام رمضان كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)، فالبعض من المسلمين اعتبر أنَّ الامتناع عن الطعام والشراب فقط هو الصيام، بينما الصيام التزام بالطَّاعة، وتربية للنَّفس على الصبر، وتذكيرهم بوجود فقراء ومحتاجين للطعام والشراب، والحج لمَن استطاع كما في قوله تعالى: (وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) لكن البعض -وللأسف الشديد- ينسى القيم الحقيقيَّة للحجِّ كالعبرة وتذكُّر قيمة المساواة بين البشر.

ومن القيم الأُخرى التي يحثُّ عليها ديننا الإسلاميُّ الحنيف، وفرَّط الكثيرُ من المسلمِين فيها قيمة الرَّحمة المشتقَّة من اسم الله الرحيم، وقيمة التعاون التي قال الله عنها: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، وقيمة الصبر التي قال الله عنها: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)، وقيمة الشورى التي قال الله عنها: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)، وقيمة حفظ الإنسان من الزلل كما في قوله تعالى: (وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا)، والنميمة كما في قوله تعالى: (هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ).

فهذا أغلب مطالب الدِّين الإسلاميِّ في العبادة والمعاملة، فهل التزمُوا بها كما أمر الله تعالى في كتابه الكريم؟ وهنا فقط تتَّضح الفجوة الكبيرة بين الإسلام كدين، وبعض المسلمين كمسمَّى.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store