رسالة للعالم: (السعوديَّة تبني اقتصاد المستقبل، ولا تنتظر الظروف، بل تصنعها).
جاءت ميزانيَّة المملكة الأخيرة؛ لتؤكِّد أنَّ السعوديَّة لا تدير اقتصادها وفق «ردَّات فعل ظرفيَّة»، بل وفق تخطيط طويل المدى، يضع رُؤية 2030 كأساس، ويعامل الميزانيَّة السنويَّة كأداة تنفيذ، لا كوثيقة محاسبيَّة.
واحدة من أهم الإشارات الإيجابيَّة في الميزانيَّة، هي أنَّ المملكة تتحرَّك بثقة نحو اقتصاد متنوِّع، فالنموُّ في السنوات الأخيرة لم يعدْ مرتبطًا فقط بأسعار النفط، بل بقدرة القطاعات الأُخْرى على توليد دخل وفرص عمل.
الميزانيَّة الجديدة تُعزِّز هذا الاتجاه عبر توجيه المزيد من الموارد للقطاعات المنتجة، مثل: الصناعات التحويليَّة، اللوجستيَّات، الاقتصاد الرَّقمي، السِّياحة، التَّرفيه، الطَّاقة المتجدِّدة، وهذا التوجُّه يمنح الاقتصاد حصانة أكبر، ويزيد قدرته على جذب الاستثمارات الأجنبيَّة النوعيَّة.
اللافت في الميزانية الجديدة، ليس حجم الإنفاق وحده، بل نوعيته، وطريقة توزيعه، والرسائل الاقتصادية التي يحملها، داخليًّا وخارجيًّا.
مع استمرار السعوديَّة في تبنِّي سياسة إنفاق توسعيٍّ مدروس، يتَّضح أنَّ الهدف الأساس هو الحفاظ على زخم النموِّ غير النفطيِّ، وخلق دورة اقتصاديَّة متواصلة تُحفِّز القطاع الخاص، وتدعم المشروعات الوطنيَّة الكُبْرى.
الميزانيَّة هنا تعمل كـ»مُسرِّع اقتصادي»، يضمن أنَّ التحوُّل الهيكليَّ للاقتصاد يسير بوتيرةٍ مستقرَّة دون توقُّف، مهما كانت التقلُّبات العالميَّة.
هذا يعني أنَّ الحكومة تتعامل مع المصروفات كاستثمار طويل المدى في البنية التحتيَّة الذكيَّة، المدن الجديدة، الأمن الغذائي والاقتصادي، سلاسل الإمداد، التقنية والذكاء الاصطناعي، السياحة والثقافة والرياضة. وهذا التنويع الواسع يُعمِّق قاعدة الاقتصاد، ويجعله أقل حساسيَّة لتقلُّبات النفط.
وجود عجز بنسبة محدودة ليس مؤشِّرًا سلبيًّا، بل انعكاس لقرار اقتصاديٍّ واعٍ، فالسعوديَّة تُفضِّل الاستمرار في الاستثمار والتوسُّع، على أنْ تُبطئ المشروعات الإستراتيجيَّة من أجل الوصول إلى صفر عجز بسرعة.
العجز هنا، مُدار، محسوب، مدعوم باحتياطيَّات قويَّة، وبمستوى دين منخفض، مقارنةً بالاقتصادات الكُبْرى.
هذه السياسة تعكس ثقة الحكومة بقدرتها على استيعاب العجز؛ دون الضغط على الاستدامة الماليَّة.
اللافت في توجُّهات الإنفاق أنَّها لا تخدم الاقتصاد فقط، بل تمس حياة النَّاس مباشرة، فزيادة الصَّرف على الخدمات الأساسيَّة - كالصحَّة والتَّعليم والنقل والإسكان- تُعزِّز جودة الحياة، وترفع مستوى الرفاه الاجتماعيِّ، وهي جزءٌ من رُؤية واضحة ترى أنَّ الاقتصاد لن يحقِّق أعلى طاقاته دون مجتمعٍ قويٍّ ومتمكِّن ومبدعٍ. الميزانيَّة ترسم ملامح اقتصاد سعوديٍّ جديد، قائم على اقتصاد متنوِّع عالي الكفاءة، مصادر الدخل المتعدِّدة ستجعل المملكة أقل اعتمادًا على سلعة واحدة، وأكثر قدرة على التَّخطيط طويل المدى.
الاستقرار المالي والإنفاق على البنية التحتيَّة الحديثة يرفع مستوى ثقة المستثمرِين الدوليِّين، ويضع المملكة في دائرة الاقتصادات الواعدة عالميًّا.
تنويع الاقتصاد والإنفاق التوسعي المدروس، يجعلان المملكة أكثر قدرة على مواجهة التباطؤ العالميِّ، أو تقلُّبات الأسواق.
الميزانيَّة الأخيرة ليست مجرَّد أرقام تُعلن، بل علامة فارقة في مسار التحوُّل الاقتصاديِّ الذي تقوده الدولة بثباتٍ وذكاءٍ.


