شكَّلت قمَّة دول مجلس التعاون في البحرين محطَّة مفصليَّة في لحظة إقليميَّة دقيقة، تتشابك فيها التحدِّيات الأمنيَّة والسياسيَّة. وهنا جاء التأكيد الجماعي من قادة دول المجلس على مبدأ؛ احترام سيادة دول الخليج، وسائر دول المنطقة، وعدم التدخُّل في شؤونها الداخليَّة، ورفض استخدام القوة، أو التَّهديد بها. قد يبدو هذا المبدأ بديهيًّا، إلَّا أنَّ واقع المنطقة يبرهن أنَّه خط الدفاع الأوَّل عن الاستقرار.
منذ تأسيس مجلس التعاون، ظلَّت السيادة ركيزةً متينةً في بناء الموقف الخليجيِّ المشترك. ومع التحوُّلات الجيوسياسيَّة المتسارعة خلال العقدين الأخيرين، وتباين المواقف الإقليميَّة، عاد هذا المبدأ إلى الواجهة بوصفه ضرورةً إستراتيجيَّة لا تقبل التأجيل.
لذلك كان لافتًا أنْ تصدر القمَّة برسالة واضحة وصارمة؛ أي مساس بسيادة دولة خليجيَّة يُعدُّ تهديدًا مباشرًا للأمن الجماعيِّ الذي يجمع دول المجلس. هذا التأكيد يجمع بين البُعد السياسيِّ، والرُّؤية الأمنيَّة الحديثة التي تركِّز على بناء منظومة مترابطة تعتمد على التَّنسيق، والجاهزيَّة المشتركة، وتوحيد السياسات الخارجيَّة تجاه التهديدات.
الفكرة المحوريَّة هنا تقوم على أنَّ استقرار الخليج وحدةٌ واحدةٌ متماسكةٌ، فالتَّأثير الأمنيُّ في أيِّ دولة من دولهِ يمتدُّ إلى بقيَّة دول المجلس، سواء في الاقتصاد، أو الأمن، أو العلاقات الخارجيَّة.
ويكتسبُ هذا الخطاب أهميَّة إضافيَّة في ظلِّ التحدِّيات الجديدة التي تواجه المنطقة، مثل تنامي التدخُّلات الخارجيَّة، ودعم المليشيات العابرة للحدود، ومحاولات العبث بالأمن البحريِّ، إضافةً إلى الهجمات الإعلاميَّة والسيبرانيَّة التي تهدف إلى زعزعة الثقة بالمؤسَّسات.
ومع تعدُّد هذه التحدِّيات، يؤكِّد خطاب البحرين، أنَّ دول المجلس تتعامل معها كمنظومة مخاطر؛ تحتاج إلى موقف موحَّد وإستراتيجيَّة مشتركة.
كما تحمل هذه الرسالة، بُعدًا داخليًّا وخارجيًّا. داخليًّا، يشعر المواطن الخليجي بأنَّ أمنه الوطنيَّ جزءٌ من منظومة واسعة تحميه. وخارجيًّا، تتأكَّد صورة دول المجلس ككيانٍ متماسك، يجمعه خطٌّ أحمرُ واحدٌ؛ يتمثَّل في السيادة الوطنيَّة مهما تنوَّعت التوجُّهات الاقتصاديَّة والعلاقات الدوليَّة.
في الختام، تبرز قمَّة البحرين بوصفها محطَّة لتجديد العقد الأمنيِّ الخليجيِّ.
في منطقة تتغيَّر باستمرار، تظلُّ السيادة حجر الأساس.. وإجماع الخليج حولها، رسالة قوَّة لا يمكن تجاهلها.


