Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.منى يوسف حمدان

في وداع رجل استثنائي.. الدكتور محمد العقلا

A A
لم يكنْ معالي الدكتور محمد بن علي العقلا مدير الجامعة الاستثنائيَّة رجلًا عاديًّا مرَّ ورحل من المدينة المنوَّرة، ورحيله إلى عالم الخلود، ترك في النَّفس ألم الفراق، ولكنْ رحل جسدًا، وبقيت مآثرُه، وخُلقُه الرَّفيع، وتواضعُه الجم، وابتسامتُه المشرقة، وقربُه من أهل المدينة، ومحبتُه لهم؛ وكان -رحمه الله- رمزًا وطنيًّا من رموز العطاء، وشخصيَّة قياديَّة فريدة من نوعها، تعلَّمتُ منه دروسًا عظيمةً لن تمحوها السُّنون. برحيله طُويت صفحة مشرقة من صفحات العطاء الخالص، رحلَ رجلٌ جمعَ بين العلم والخُلق، في معادلة إنسانيَّة لا يتقنها الكثيرُ من البشر، وجمع بين القيادة التحويليَّة، وإدارة التَّغيير المؤسسيِّ بمعايير الجودة والإتقان، مع الإنسانيَّة الرَّفيعة، هو رحيل رجلٍ مُحبٍّ ينشر المحبَّة في كلِّ مكان، وسيبقى مكانه فارغًا لن يستطيع أحدٌ أنْ يملأه، وسيبقى أثرُه شاهدًا على أنَّ الحياة يمكن أنْ تُعَاش بوعي، وتُقَاد بحكمة، ويُخدم فيها النَّاس بصدق وأمانة.

لقد كان -رحمه الله- قامة أكاديمية ووطنية ذات شأن عظيم، أفنى عمره في خدمة العلم والإنسان، ولم يكن منصبه إلَّا وسيلة لتحقيق رسالة أوسع، تهدف إلى أن تكون الجامعة الإسلامية في المدينة المنوَّرة منارة فكر، وملتقى ثقافة، ومساحة حوار وانفتاح.

وقد تميَّز -رحمه الله- بأنَّه فتح أبواب الجامعة الإسلاميَّة للنِّساء، بعد أنْ كانت البرامج والفعاليَّات مخصصةً للرِّجال فقط؛ إيمانًا منه بأنَّ المعرفة لا تُقصِي أحدًا، وأنَّ للمرأة دورًا أصيلًا في صناعة المجتمع ومخرجاته.

لن أنسى ما حييتُ أوَّل اتِّصالٍ من معاليه -رحمه الله- لي ذات صباح؛ لأكونَ ضيفة الجامعة الإسلاميَّة في كلِّ الفعاليَّات الثقافيَّة، والمحاضرات، والمؤتمرات، وكانت البداية مع محاضرة سموِّ الأمير خالد الفيصل، عن منهج الاعتدال السعوديِّ، وطلبه منِّي توجيه سؤالٍ لسموِّ الأمير في نهاية المحاضرة، وكان لي معه موقفٌ لن أنساه، عندما أكرم أُمِّي وأَبي -رحمهما الله- وخصَّص لهما جناحًا خاصًّا في فندق دار الإيمان، عندما كنتُ ضيفة في مؤتمر اللغة العربيَّة، بل تجاوز كرمُه وخُلقُه الرَّفيع وتواضعُه كلَّ التصوُّرات البشريَّة عندما خصَّص للنِّساء ضيفات الجامعة زيارة للرَّوضة الشَّريفة السَّاعة الواحدة بعد منتصف اللَّيل، وإذ بمعاليه يقف بنفسه؛ ليشرف على خروج النِّساء من الفندق، وكان ينظر حوله مَن منهنَّ كبيرة في السنِّ؛ ليكرمها بتوصيلها بسيَّارة الجولف التي يقودها بنفسه، فكانت أُمِّي -رحمها الله- وهي لا تعرفُ مَن هذا الرجل؟ حتَّى إذا وصلنا ودخلنا الرَّوضة، قلتُ لأُمِّي: أتعلمِينَ مَن هذا الرَّجل؟ إنَّه معالي مدير الجامعة الإسلاميَّة، فدعتْ له بعلوِّ القدرِ والمكانة في الدنيا والآخرة.

رأيتُه بأمِّ عيني يستقبلُ الأمراءَ والوزراءَ والأعيانَ والقياداتِ في كلِّ مناسبة حضرتها، ثم يخلو بفريق عمله، والسَّائقِين، ويجلس معهم لتناول طعام الغداء، والعشاء، كلَّما ركبتُ مع سائقٍ من الذين يعملُون معه، يدعو له، ويذكره بكلِّ خيرٍ، كيف لا تبكيك القلوبُ والعيونُ، وقد ملكتَهَا بطيبتِكَ وكرمِكَ وحُسنِ خُلقِكَ وطيبِ معشرِكَ!

اللَّهُمَّ اجعلْ مرضَه وما عانَاه كفَّارةً له، وارفعْ درجاتِهِ في عليِّين، وبلِّغه منازلَ الشهداءِ والصدِّيقِينَ، وارزقه صحبةَ نبيِّكَ محمدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في أعلى جنَّات الفردوس، واجمعنا به، ومع مَن نحبُّ في مستقرِّ رحمتِكَ.

يرحلُ الجسدُ، لكنْ يبقَى الإرثُ، يبقَى ما زرعَ من قِيم، قيمة التَّواضع، قيمة الإخلاص، قيمة العلم، قيمة العمل الهادئ، الذي يصنعُ أثرًا ولا ينتظر ضجيجًا. ويبقى ما حقَّقه من إنجازات شاهدًا على رُؤية قائدٍ آمن بأنَّ الجامعة يجبُ أن تكون جسرًا بين المعرفة والمجتمع.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store