Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

حب الظهور.. استعراض ووهم النجاح!

A A
‏قبل ظهورِ مواقعِ التَّواصل الافتراضيَّة، كان الفردُ المتَّزن يجاهدُ ويكابدُ ليكون من المؤثِّرِينَ، سواء من خلال مبادرات تفيدُ المجتمع والإنسانيَّة كاختراع علميٍّ، أو من خلال كتابات وآراء تجاهدُ للإصلاح الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ والتنمويِّ، أو من خلال الأدب بكافَّة أنواعه؛ فإثبات الذَّات هنا يكون من مبادرة، من منتج يستحقُّ أنْ يفرض احترام المجتمع للفرد.

أمَّا ما يحدث بعد ظهور مواقع التَّواصل ودوافع البعض في الظهور، وعدم وجود أيِّ منتج قيميٍّ وأخلاقيٍّ، بل صور هشَّة وهلاميَّة وخداع للآخرين.. حتى أصبح الهوس وسيلةً لجمع أكبر عدد من المتابعين، سواء من خلال تفاهات التصوير السلفيِّ ليوميَّاتهم، والأماكن التي يزورُونَها، أو الأشياء التي يتناولُونَها بشكل مبالغ ينتهجُ سلوك الاستعراض والمظاهر الخادعة.

بل ظهرت طائفةٌ أُخْرى تستعرضُ أشياء بسيطة، حتَّى ولو كانت شهادة شكر عن عمل بسيط، لا يرقى لأخذ شهادة، وكأنَّها حصلت على درجة علميَّةٍ أو إنجازٍ مؤثِّرٍ!! وتراها تستجدي عبارات الثَّناء، وتسعى لجذب الانتباه، وهي لم تقدِّم شيئًا.. ونرى مجاملة الكثيرِينَ لها في تقديم الشُّكر، ربَّما للإشفاق عليها، في نوعٍ من النِّفاق الاجتماعيِّ، فكلمة الشُّكر لا تُقدَّم إلَّا لمَن يستحق.

‏إنَّ حُبَّ الظهور هو من الاضطرابات النفسيَّة، التي سببها الشعور بالنَّقص لدى الفرد، ثم محاولة التَّعويض من خلال الظهور والنجاح المزيَّف، حيث يصيب الشخص درجة من التوتر في حالة عدم الحصول على التقدير من الآخرين، وربما تكون الحالة نتيجة فشل سابق في العلاقات الاجتماعيَّة، وتصبح حالة قهريَّة باستمراريَّة الحالة.. بمعنى (إذا لم أظهرْ، فأنَا غيرُ موجودٍ، أو لا قيمةَ لي)!!.

‏وقد تكون عند بعض الأشخاص من ذوي الشخصيَّة النرجسيَّة التي تعشق ذاتها، ولا ترى غيرها في الوجود، وتُحبُّ إظهار نفسها أنَّها الأفضل.. وفي جميع الحالات هي حالات اضطراب في الشخصيَّة. وهناك دراسة في جامعة هارفرد ٢٠٢٣م، توصَّلت إلى أنَّ ٤٢٪ من مستخدمِي وسائل التواصل الاجتماعيِّ، يشعرُونَ بقلق نفسيٍّ شديد، حينما لا يتفاعل معهم الجمهور، ودراسة أُخْرى في ٢٠٢٢م من (مجلة Phycology today) أثبتت أنَّ ٣٠٪ ممَّن يُعانُونَ من إدمان الظهور، لديهم تاريخ عائليٌّ من الإهمال أو التجاهل، سواء في مرحلة الطفولة، أو في الزَّواج.. وعادةً ما ينشأ هذا الشعور من مقارنة الفرد نفسه بآخرين، وأنَّه لم يصل إلى ما وصلوا إليه من نجاح، وتبدأ الشخصيَّة بالبحث عن مظاهر أُخْرى للتنافس غير الحقيقيِّ، والبحث عن الإبهار.

‏وفي مشكلات فرق العمل -وخاصةً في المناسبات الاجتماعيَّة- يُفترض أنْ يشارك الجميع في العمل، ولكنْ في الغالب هناك مجموعة تعمل بجدٍ وصمتٍ، وهناك آخرُونَ يعملُونَ كضيوفِ شرفٍ، فلا تراهم يُقدِّمُونَ شيئًا، ووقت التكريم تراهم يتصدَّرُونَ المنصَّات، وهي نقطة مهمَّة للقائمين على فرق العمل أنْ يعطوا كلَّ إنسان حقَّه، فمَن لا يعمل لا يستحق التَّكريم، ولا مجاملة مع هؤلاء الذين يخدعُونَ أنفسهم وغيرهم، بوَهَم الإنجاز، مع ضرورة تحديد المهام والمسؤوليَّات لكلِّ عضو في الفريق.. ومن لا يُحقِّق مهامه ومسؤوليَّاته أو أخلَّ بها؛ فلا يُضم إلى قائمة التَّكريم، من باب العدالة الاجتماعيَّة، والتفريق بين العامل والخامل.. وهنا تحضرني الآية القرآنيَّة الكريمة: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ).

‏فهل يستيقظ هؤلاء الغافلون المحبون للظهور، ويدركون بأن عليهم فهم ذاتهم والثقة بقدراتهم، وملء قلوبهم بالإيمان وبالإحسان، وإقرانها بالعمل، فهذا هو السبيل الحقيقي لإثبات الذات.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store