Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. خالد محمد باطرفي

العرب والديمقراطية.. بين الفكرة وتحديات التطبيق

A A
منذُ أنْ كتبَ جورج أورويل روايته الشَّهيرة «مزرعة الحيوانات» عام 1945، أصبحت قصَّة الثَّورة التي قادتها الخنازيرُ ضدَّ مالك المزرعة، مثالًا ساخرًا على المفارقة بين الوعود الثوريَّة، وواقع السلطة حين تستحوذ عليها نخبة جديدة. فـ«نابليون»، قائد الثورة في الرِّواية، لم يختلف كثيرًا عن البشر الذين أطاح بهم، السلطة تحوَّلت من وعد بالمساواة، إلى ممارسةٍ تحتكرُ القرار، وتعيد إنتاج الاستبداد بوجهٍ آخرَ.

أورويل اعترف لاحقًا بأنَّ قصَّته كانت إسقاطًا على الثورة البلشفيَّة التي أطاحت بالقيصريَّة الروسيَّة، لكنَّها انتهت في عهد ستالين إلى حكم الحزب الواحد، وتقديس الفرد، وتغوُّل الأجهزة الأمنيَّة. المنظومة التي رُوِّج لها بوصفها نموذجًا للتَّوزيع العادل للثَّروة، والسُّلطة تحوَّلت إلى دولة تُساوي الجميع في الحِرمان، وتُميِّز قادتها بالامتيازات.

هذا التناقض ليس بعيدًا عن إشكاليَّات الديمقراطيَّة منذ جذورها الأولى في أثينا. فالنِّظام الإثيني، الذي اشتهر بمفهوم «حكم الشعب» كان في حقيقته حكرًا على فئة محدودة من الرِّجال الأحرار، لا تتجاوز نسبتهم خُمس السكَّان. المشاركة كانت مباشرةً، لكنْ ضيِّقة، ما جعل التجربة عرضةً للتقويض لاحقًا، حين تدخَّل المقدونيُّونَ وألغوهَا عام 322 ق.م.

وفي العصر الحديث، اتَّسعت المشاركة الشعبيَّة تدريجيًّا، لكنَّ الديمقراطيَّة تحوَّلت إلى منظومة مركَّبة تجمع بين حكم الأغلبيَّة وحماية الأقليَّات. هذا المزيج -الذي وُصف مجازًا بـ«الديمقراطيَّة الليبراليَّة»- قيَّد إرادة الأغلبيَّة بنصوص دستوريَّة، وضغوط سياسيَّة واقتصاديَّة، لم تكن حاضرةً في النماذج القديمة. وحتَّى الدول التي تتباهى بمنح الجميع صوتًا متساويًا لم تفعل ذلك إلَّا متأخِّرًا؛ فحقوق النساء والسود والأقليات في أمريكا وأوروبا، لم تُقر إلَّا في القرن العشرين.

ورغم التَّرويج المستمر للنموذج الغربيِّ، إلَّا أنَّ التجارب التي سعت واشنطن لفرضها في الخارج، لم تُنتج نظامًا ديمقراطيًّا ناجحًا. أفغانستان بعد عقدين من الاحتلال، عادت إلى ما كانت عليه قبل التدخُّل، وتراكمت فيها الأخطاءُ والفسادُ والخيباتُ. والعراق، حيث أُنفقت مئات المليارات، انتهى إلى دولةٍ منقسمةٍ طائفيًّا وعرقيًّا، عاجزة عن توفير الأمن والخدمات، أو بناء مؤسَّسات مستقرَّة.

أمَّا الجمهوريَّات العربيَّة التي تبنَّت شعارات المشاركة الشعبيَّة، والدستور، والانتخابات، فقد تحوَّلت -في الواقع- إلى أنظمة «جمهوملكيَّة» يتوارثُ فيها الحكم عبر العائلة، أو الطائفة، وتتآكل فيها الدَّولة حتَّى تنهار مؤسَّساتها.

في المقابل، قدَّمت الملكيَّات العربيَّة نموذجًا مختلفًا في البناء والتنمية والاستقرار، مستندةً إلى شرعيَّة تاريخيَّة، وثقافة محليَّة، ورُؤى تنمويَّة واضحة، لا إلى قوالب سياسيَّة جاهزة. هذه الدول نجحت في تحقيق تعليم أفضل، واقتصادات أكثر تنوُّعًا، ومجتمعات قادرة على تبني التحوُّل.

يبقى السُّؤال الجوهري: هل الديمقراطيَّة -بمفهومها الغربيِّ- غاية بحدِّ ذاتها، أم وسيلة لبلوغ الحكم الرشيد؟ وإذا كانت الوسائل الأُخْرى أثبتت قدرتها على تحقيق الأمن والتنمية والعدالة، فلماذا الإصرارُ على تغييرها بنماذج فشلت حتَّى في بيئتها الأصليَّة؟ ومَن يملك حق فرض خيارات سياسيَّة على شعوب لها تاريخ مختلف، واحتياجات مختلفة؟

ما تحتاجه منطقتنا اليوم، ليس استنساخ نظم سياسية، بل مراجعة نقدية تعيد تعريف «الحكم الرشيد» وفق معايير النتائج، لا الشعارات. وعلى المفكِّرِينَ والخبراء العرب أنْ يستلهمُوا من تراثهم وتجاربهم، ومن النماذج الإقليميَّة الناجحة، لبناء منظومات قادرة على خدمة الإنسان، وصون كرامته، وتحقيق الاستدامة. @kbatarfi

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store