الدماغُ البشريُّ الذي يزن حوالى 1.4 كيلوجرام، ويحتوي على نحو 86 مليار خليَّةٍ عصبيَّة، يُعدُّ أكثر أعضاء الجسم تعقيدًا ويتطلَّب أدوات متقدِّمة لفهم نشاطه الكهربائيِّ والمعرفيِّ، واحدة من أهم هذه الأدوات هي تخطيط الدماغ الكهربائي (EEG)، الذي بدأ استخدامه علميًّا منذ خمسينيَّات القرن العشرين، حيث مكَّن العلماء من تسجيل الإشارات الكهربائيَّة الناتجة عن نشاط المجموعات العصبيَّة، وتحويلها إلى بيانات رقميَّة قابلة للتحليل.
يُظهر EEG موجات مختلفة مثل دلتا وثيتا، ألفا وبيتا، وكل منها مرتبط بحالات إدراك، أو استرخاء، أو نشاط ذهنيٍّ محدَّد، على سبيل المثال، أظهرت دراسة نُشرت في 2019م أنَّ زيادة قوَّة موجات الثيتا في الجبهة الوسطى للدِّماغ ترتبط بارتفاع الإرهاق العقليِّ بنسبة تصل إلى 25٪ أثناء أداء المهام المعقَّدة، بينما انخفاض موجات الألفا في المناطق الخلفيَّة يدل على زيادة الانتباه والتركيز.
تطور التكنولوجيا ساهم في دمج EEG مع الذكاء الاصطناعيِّ، حيث يمكن الآن تحليل ملايين الإشارات العصبيَّة في دقائق، واستخدامها لتصميم برامج تدريبٍ ذهنيٍّ، وتحسين التعلُّم، وحتى تطوير واجهات دماغيَّة حاسوبيَّة (BCI) تسمح للأشخاص ذوي الإعاقة بالتحكُّم في الأجهزة بواسطة التفكير فقط، وقد بيَّنت دراسة من جامعة كاليفورنيا في 2018م أظهرت أنَّ استخدام تقنيات EEG وBCI ساعد مرضى الشَّلل الجزئيِّ على التحكُّم في الكراسي المتحرِّكة بدقَّة تصل إلى 90٪ بعد تدريب مستمر لمدة ثلاثة أشهر.
التطبيقات العمليَّة تتجاوز الطِّب إلى مجالات التَّعليم والرِّياضة، حيث يستخدم الباحثون الـEEG لمراقبة الإجهاد العقليِّ للطلاب، وتحسين بيئة التعلُّم، وكذلك لتقييم الإرهاق الذهنيِّ للرياضيِّين، وتطوير برامج تدريبيَّة مخصَّصة.
ومع تركيبة الدماغ البشري المعقدة تبنت بعض الجامعات إنشاء أقسام ومجلات علمية في تخصص هندسة الأعصاب؛ ليتيح فرصة لفهم ومعرفة العقل البشري، وعلاقته بأعضاء جسم الإنسان، وتفاعله من الناحية النفسية.
ومع تطوُّر العلم في فهم الدِّماغ، يصبح قابلًا للقياس الرقميِّ؛ ممَّا يفتح أبوابًا جديدةً لفهم الإدراك والإرهاق العقليِّ، وتحسين جودة حياة الإنسان في القرن الحادي والعشرين.


