نزع عددٌ من مؤرِّخي الطَّائف إلى صبغ آثارها بنوع من القداسة، فمثلًا علي ابن عراق يُخصِّص فصلًا كاملًا من كتابه «نشر اللَّطائف» يُسمِّيه «آثار مباركة»، وآخر «في فضل الحبر عبدالله بن العباس، ومحمد بن الحنفية» المدفونين بالطَّائف لتقديس قبريهِمَا.
ومؤرِّخٌ آخرُ وهو عبدالحفيظ القاري، يقول نصًّا -عند حديثه عن قبور شهداء الصَّحابة، الذين قُتلوا في غزوة الطَّائف-: «تدعُو عند قبورهِم بما شئت، فإنَّ الدُّعاء هناك مُستجابٌ، وإنَّ الدُّعاء يُستجاب عند السَّارية التي عند رأس الضَّريح (يقصد ضريحَ ابن عباس) إلى خلفه، وكذلك عند الشِّباك الحديد من خارج المسجد، وبالجملة فضريحه الأنور، ومشهده الأعطر من أبواب العطاء الإلهيِّ، قد جُرب استجابة الدُّعاء عنده»، ثمَّ يسرد عددًا من الأدعية المُستحبَّة عند الضَّريح ومنها: «يَا سيدنا عبدالله بن عباس، جئناك زائرِينَـ ولك قاصدِينَ، وبك إلى ... إلخ»! ولستُ في حاجة إلى الإبانة، بأنَّ هذا ممَّا يتنافى مع نصوص القرآن الكريم، والأحاديث النبويَّة الشَّريفة، في توجيه الدُّعاء، وطلب العون من الله -سبحانه وتعالى- وحده مباشرةً، ودون وسيط.
وينقلُ مؤرِّخٌ ثالثٌ، وهو الميورقي العبدري في «بهجة المهج»، حديثًا يقولُ إنَّه منسوبٌ إلى الرَّسولِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ- يقولُ فيه: «لوْ كانَ بعدِي نبيٌّ مُرسلٌ لكَانَ عبدالله بن عباس، اللَّهُمَّ فَقِّههُ فِي الدِّينِ، وَعلِّمهُ التَّأويلَ، وانْشرْ منه وبَارِكْ فيهِ إنَّه سيِّدُ مَن بالطَّائف، فَمَن زارَهُ بهَا فكأنَّمَا زارَ قبرِي بِطَيبة». ويقولُ محقِّقُ الكتابِ د. إبراهيم الزيد، عن هذا الحديث، إنَّه موضوعٌ.
ومن الآثار التي غلَّفتها الأسطورةُ، وتلبَّستَها الخرافةُ، ما يذكرُه مؤرِّخُو الطَّائف عن شجرةٍ يسمُّونَها السِّدرة، يقولُونَ إنَّها انفرجتْ للرَّسولِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في غزوة الطَّائف، وانشقَّت إلى نصفَينِ لمَّا اعترضتْ طريقهُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وبقيتْ على حالِهَا ذاك حتَّى عهودٍ متأخِّرةٍ، وقد عظَّمها النَّاسُ وقدَّسُوهَا. ومن الآثارِ قبرُ محمد بن الحنفيَّة، الذي يُورد بعضُ مؤرِّخِي الطَّائف أنَّه بالطَّائف، منهم ابن عراق، والقاري، ويقدِّسُونه، بينما هناك روايات عديدة، تؤكِّد أنَّ ابن الحنفيَّة تُوفِّي بالمدينة المنوَّرة، وقبره في مقابر البقيع. ومن تلك المصادر الذهبي في «سير الأعلام»، وابن سعد في «الطبقات»، أمَّا الروايات عن أنَّ قبره بالطَّائف، فهي روايات لم يذكرها سوى مؤرِّخي الطَّائف المتأخِّرين، والتي لا تستند إلى توثيق أكثر من الأقاويل. مثل هذه المرويَّات، والتي تتنافَى مع العقل، إنَّما تغلِّفُها روحُ الخرافة، ولا يمكن الأخذُ بها كمسلَّمات تاريخيَّة، فالتاريخُ حقائق، وليس مجرَّد مرويَّات وحكايات شعبيَّة.


