«من البشر أناسٌ ميَّزهم اللهُ بسمة الدَّيمومة، تحسبهُم باقِين.. مثل السَّحاب والنجوم والأوتاد، شاهدتهم أم لم تشاهدهم. إنْ رفعت بصرك فسوف ترى السَّحابة العابرة تمرُّ فوقك، والنجم البارق يضيءُ سماءَك، والجبل الشامخ يفترشُ مدى بصرِك.
هكذا كنت أنت.. وإلى اليوم عندما أنظر إلى السَّحابة، أجدني بتلقائيَّة أجول بنظري من حولي باحثًا عن طلعتِكَ البهيَّة، تلك التي حسبتُ أنَّها دائمة لي، فينكسرُ النَّظر في مقلتيَّ، وتنحبسُ العَبرَات خلف جفونِي، وأشهقُ؛ لأنَّ غيبتَك عنِّي هي التي ستدوم، ولن يبقى إلَّا وجه الله الحي القيُّوم».
بهذه الكلمات، وبالفيض المتدفِّق من الأحاسيس الصادقة، اختتمَ الزميلُ القديرُ السفيرُ الدكتورُ عبدالعزيز بن حسين الصويغ الكلمات؛ التي سطَّرها الأميرُ تركي الفيصل عن شقيقه الأمير سعود الفيصل -يرحمه الله- في الكتاب الذي ألَّفه الزميل الصويغ بعنوان: (مع سعود الفيصل)، وما زلت أذكر التغريدة التي غرَّد بها السفير الصويغ قبل عقد من الزَّمان، واصفًا سعود الفيصل أنَّه مدرسة للدبلوماسيَّة قائمة بذاتها، ويقول: «عرفتُ أيَّ الرِّجال أنت، ولا أزيد». كتاب: (مع سعود الفيصل) عبَّر فيه المؤلِّف عن مواقف عديدة تعلَّمها من هذه القامة، التي يصفها بأنَّها: القامة المشرقة للدبلوماسيَّة الدوليَّة، وهو خير ممثِّل ليس للدبلوماسيَّة السعوديَّة فحسب، بل للعربيَّة والإسلاميَّة، وباعتراف من أقطاب الدبلوماسيَّة كافَّة في العالم.
يستعرض المؤلِّف محطَّات عديدة في كتابه، وثَّق فيها الأحداث عبر اللقاءات الثنائيَّة أو المؤتمرات الدوليَّة، وغيرها، وجعل القارئ يتوق إلى القراءة لمعرفة التَّفاصيل عن تلك الأحداث؛ وما تخلَّلها من مواقف محرجة ووسائل معالجتها. وهذا ليس بمستغرب لكلِّ مَن عرف السَّفير عبدالعزيز حسين الصويغ. وقد حظيتُ بإهدائهِ لي العديدَ من مؤلَّفاته منها: النِّفط والسياسة السعوديَّة، أزمة الطَّاقة من وجهة نظر سعوديَّة، الأمن القومي العربي، العرب ومؤتمر السَّلام الممكن والسَّلام المستحيل، الإعلام الخارجي.. البدايات الأُولى، الرومانسيَّة الغائبة، خارج الصندوق: مسيرة حياة، وله كتابٌ لم يتسنَّ لي الاطِّلاع عليه عن الرئيس دونالد ترمب.
والسَّفير عبدالعزيز الصويغ تدرَّج في العمل في الخارجيَّة كملحقٍ سياسيٍّ، ثمَّ تدرَّج أكاديميًّا كمعيدٍ في قسم العلوم السياسيَّة بجامعة الملك سعود، وتولَّى رئاسة قسم العلوم السياسيَّة بكليَّة العلوم الإداريَّة بعد حصوله على الدكتوراة، وعمل وكيل وزارة مساعدًا في وزارة الإعلام، كما عمل متحدِّثًا رسميًّا لوزارة الخارجيَّة، ورئيسًا للمكتب الإعلاميِّ لسموِّ وزير الخارجيَّة، وسفيرًا في كوريا الجنوبيَّة، وقنصلًا عامًّا في مدينة هيوستن، قبل أنْ يُعيَّن عضوًا في مجلس الشورى، ثمَّ مديرًا عامًّا لفرع وزارة الخارجيَّة بمنطقة مكَّة، وبعدها سفيرًا للمملكة في كندا إلى أنْ تقاعد.
ولا يسعني ختامًا إلَّا أنْ أشكرَ سعادة السَّفير
د. عبدالعزيز الصويغ على هذه المجموعة الثَّمينة من كتبه، التي تقدِّم حصادًا فكريًّا غزيرًا، يحمل أبعادًا ثقافيَّةً ثريَّةً، وتجاربَ وخبراتٍ معرفيَّةً، تستحقُّ الرَّصد والتَّوثيق.


