في مدخل المعرض، ربما تتشابه الوجوه، ولكن الأكيد أن النوايا مختلفة. فهناك من جاء ليشتري كتابًا، وهناك من جاء ليلتقط صورة، وهناك من جاء ليُوقّع على حضوره الثقافي قبل أن يوقّع المؤلف على كتابه، وهناك من يقف في طابور طويل ليوقّع كتابًا، إذ يبدو أنه لم يعد التوقيع حكرًا على المواد الاستهلاكية؛ وكأن الإنسان هذه الأيام لا يطمئن لوجود الشيء ما لم يُختم بختم الحدث ! الأمر الذي يؤكّد لنا بأننا نعيش في زمن التوقيع الشامل.
حسنًا! لا أخفيكم سرًا ، حينما رأيتَ ذلك التهافت على منصات توقيع الكتب، بدأت الأسئلة تزدحم في داخلي، إذ رحتُ أتساءل بدهشةٍ حائرة : هل انضم الكتاب لضجيج العلامات التجارية؟
وإذا كان التوقيع على عطر امتدادًا لمنطق السوق ! فلماذا لايكون التوقيع على كتاب امتدادًا لمنطق المعنى ؟ والمثير حقًا للتأمل أن منصّة توقيع الكتاب، وسط ضجيج الاستهلاك الذي يتَّسم به هذا العصر ، بدأ وكأنه نافذة أمل لمستقبل القراءة.
صحيح أن نِسب القراءة في العالم العربي متدنية كما تقول الإحصائيات. وصحيح أن كثيرًا من هذه الطوابير لا تعكس قارئًا نَهِمًا، بقدر ما تشير إلى حضورًا اجتماعيًا، ولكن- وما أجمل لكن هذه - ولكن دعونا نكون منصفين، ونقول: بأن الإقبال على الكتاب، حتى وإن كان بدوافع غير مكتملة ، أفضل بكثير من غيابه عن المشهد الثقافي.
فالثقافة - كما يُقال - لا تولد نقيّة ! إذ أنها تبدأ غالبًا مشوبة بالاستعراض، قبل أن تنضج بالوعي. فالإنتاج الثقافي في بداياته لا يكون خالصًا للمعرفة أو القيم العليا، بل يتأثر بالسياق الاجتماعي، والنفسي، والأهم من هذا وذاك حاجة الإنسان إلى الظهور والاعتراف.
والحقيقة أن الدافع الأساسي للالتحاق بركب الثقافة والتأليف قد يكون محركه الوجاهة الاجتماعية ، أو الرغبة النفسية العميقة للظهور ؛ للبحث عن مكانة رمزية، وبالتالي تصبح الثقافة بهذه الصورة مجرد ممارسة اجتماعية وليست فكرية.
ولعل قارئ هذه السطور المتواضعة يتساءل الآن : ماذا تريد أن تقول؟ وما الذي تود أن تصل إليه؟
حسنًا ! سأحاول أن أكون منطقيًا ومنهجيًا في السطور التالية، وأتناول موضوع منصّات توقيع الكتب بجانبيه الإيجابي والسلبي ثم أطرح رأيي لمن يهمه رأيي بطبيعة الحال.
بالنسبة للإيجابيات، فهي تتلخص في عدة نقاط، سأحاول قدر الإمكان إيجازها واختصارها، لعل أهم تلك الإيجابيات، هي كسر العزلة الثقافية للكتاب، حيث أن الكتاب العربي عانى طويلًا من التّهميش، إذ لم يعد يحتل موقعه القديم، كقيمة معنوية وحضارية في الوعي الجماعي، فجاءت معارض الكتاب ومنصّات التوقيع، كي تُعيد ألقه ورونقه لدوائر الضوء والاهتمام؛ بحيث تجعله محسوسًا إلى درجة الاحتفاء به.
كما أن معارض الكتاب نجحت بشكل كبير في إبراز القراءة كحدث اجتماعي مهم، يشجع على رؤية الكتب وامتلاكها، لممارسة ثقافة القراءة حتى وأن بدأت من توقيع.
ومن إيجابيات منصات التوقيع في معارض الكتب، محاولة ردم الهُوَّة بين الكاتب والقارئ ، وتقريب المسافة بينهما، ولاسيما في هذه الأيام التي سيطرت فيها وسائط ووسائل التواصل الاجتماعي على المشهد بالكامل! وإن كان هناك عوامل أخرى تتعلق بالشكل الفني لبعض الكُتّاب؛ كالأسلوب والقدرة على إيصال الأفكار، ولكن جمع الكاتب والقارئ في مكانٍ واحد يمنحهما شعورًا رائعًا، فالكاتب يشعر بأن نصه وجد طريقه أخيرًا، كما يشعر القارئ بأن تجربته في عالم القراءة تستحق التوثيق.
وآخر تلك الإيجابيات هي منافسة الكتاب لثقافة الاستهلاك السريع، والعلامات التجارية ! فعندما يقف الكتاب في طابور واحد مع البرغر والعطر، فهو بالتأكيد يفرض نفسه كخيار رائع في عالم السرعة، أي نعم لا يدخل الكتاب في صِدام مباشر مع ثقافة السرعة والاستهلاك السطحي، ولكنه ينافسها بهدوء وذكاء، مستخدمًا في ذلك أدوات العصر ذاتها وليس منطق الإقصاء.
حسنًا ! هذه الإيجابيات، ماذا عن السلبيات؟
الحق أقول لكم بأنني أخشى ما أخشاه ، بأن تكون منصّات التوقيع في معارض الكتب، مجرد ستائر زاهية تحجب الحقائق المُرّة. ولعل أولها هي تسليع الكاتب والكتاب؛ بحيث يصبح الكاتب "مجرد مُنتج" أكثر منه صاحب فكرة؛ فيُقاس نجاح الكتاب بعدد الصور والفلاشات، وليس بعدد القرّاء، عندها نكون قد خسرنا المعنى وربحنا الأضواء.
أما ثاني تلك الحقائق السلبية فهي محاولة تكريس ثقافة الاسم على حساب النص المكتوب، إذ أنني لا أبالغ لو قلت، بأن الكثير من الطوابير لا تقف للكتاب، بل للاسم! فيُشترى الكتاب ليُوقّع فقط لا ليُقرأ.
أما ثالثة الأثافي كما يقول -سدنة اللغة- فتكمن في إقصاء الأصوات الجادّة غير اللامعة؛ إذ أن المنصّات بطبيعتها انتقائية، فهي - للأسف - تسلّط الضوء على من يجيد الحضور دائمًا، وليس على من يجيد الكتابة؛ ولهذا نجد كاتبًا رائجًا بنص عادي على المنصّة، وكاتبًا عميقًا، مُهمِلًا خارج المشهد.
ولعل أخطر ما في الظاهرة أنها تمنحنا شعورًا زائفًا بالقراءة. مِمّا يجعلنا نكتفي بالصورة وننسى المضمون.
وأخيرًا ؛ إليك عزيزي القارئ - وعزيزتي القارئة بطبيعة الحال - رأيي المتواضع في هذه الظاهرة ، حقيقة الأمر لا أرى في منصّات التوقيع مثلمة في ذاتها، كما أنني لا أرى فيها مَنْقَبَةُ ثقافيًة. فهي في واقع الأمر عبارة عن لافتة وليست دليل، مجرد نافذة فقط. تشعرنا بأن هناك من ما يزال يؤمن بأن الكلمات تستحق الوقوف لها.
ولهذا إن بقيت المنصّة مدخلًا لأهمية القراءة، فهي مؤشر إيجابي، و أمّا إذا أصبحت مجرد تعبير رمزي عن القراءة فهي مشكلة في حد ذاتها.
وختامًا.. يبدو أنه لا مناص من طرح السؤال المؤلم إبّان وبعد كل معرض يُقام: تُرى كم كتابًا فُتح بعد منصّة التوقيع، وكم كتابًا قُرأ بعد انتهاء المعرض؟


