التراثُ القصصيُّ له قيمته وأهميته في كشف مجاهل النَّفس الإنسانيَّة، وفي إشاعة روح التَّقارب والتَّعاطف بين الأمم والشعوب، حيث إنَّه يُصوِّر غرائزها، وعواطفها المشتركة. والتراثُ الغربيُّ غنيٌّ بالقصصِ الخياليَّةِ والأساطيرِ، وتشمل حكايات الأخوَين غريم، وقصص ألف ليلة وليلة، والإسكيمو، بالإضافة إلى الأساطير اليونانيَّة، والرومانيَّة القديمة، وأعمال شكسبير، وكليلة ودمنة، وغيرها، والتي كانت شرقيَّة الأصل، تم تداولها في الغرب، منها القصَّة المعبِّرة التَّالية:
هل أستطيعُ أنْ آكلَ مَعَكَ؟، إنَّه سؤالٌ همسته طفلةٌ صغيرةٌ مشرَّدةٌ لمليونيرٍ أمريكيٍّ في أحد مطاعم مدينة شيكاغو بولاية إلينوي الأمريكيَّة.. فجعل دموع الملايين من النَّاس تنهمر؛ القصَّة كالتَّالي.
في إحدى أمسيات شهر أكتوبر الباردة، كان المليونيرُ الأمريكيُّ «ريتشارد إيفانز»، يجلسُ وحيدًا في أحد المطاعم الفاخرة بمدينة شيكاغو الأمريكيَّة الساحليَّة في ولاية إيلينوي، وكانت تحيط به الأضواءُ البرَّاقة من كلِّ جانب، والجميع كان يتحدَّث عن ثروته الكبيرة، ونفوذه الشخصيِّ.
وبينما كان يستعدُّ لتناول شريحة اللَّحم الفاخرة التي أمامه في الطبق، اقتربتْ منه طفلةٌ صغيرةٌ مشرَّدةٌ حافية القدمَين، عيناها مثقلتَان بالجوع والوحدة، وقالت له بصوتٍ مرتجفٍ: سيِّدي.. هل أستطيعُ أنْ آكلَ مَعَكَ!؟ رفعَ المليارديرُ الأمريكيُّ يده؛ ليوقفَ نادل المطعم المُتدخِّل لإبعاد الطفلةِ الصغيرةِ. ابتسم «إيفانز» لها، وسألها: ما اسمُكِ؟، قالت له بصوت خافت: اسمي «اميلي».. جائعةٌ لم أتذوَّق الطَّعام منذ يوم الجمعة!.
جلستْ على الكرسيِّ المقابل له، وقدَّم لها وجبته مع كوبٍ من الحليب الدَّافئ.. أكلتْ «إميلي» ببطء، كأنَّها كانت تخشَى أنْ يختفي الطَّعام من أمامها فجأةً.
ساد الصَّمتُ مع اعتصار ألم، ثمَّ تذكَّر «ريتشارد إيفانز» ماضيه، فقد عُرِف أيضًا هُو بالتَّشرُّد، وشعر بشدَّة بردِ الأرصفة، وجوع الليالي. قبل أنْ يشقَّ طريقه إلى المجدِ والثراءِ والقمَّةِ.
بعد أنْ أنهت تناول الطعام، سألها «ريتشارد إيفانز» عن عائلتها؟ أجابت بقطعٍ من حكاية مُوجعة، عن أبٍ رحلَ، وأُمٍّ تخلَّت، وجدَّةٍ كانت ترعاهَا فارقتِ الحياةَ. فقال لها: هل ترغبين بالذهاب معي إلى البيت؟ فهناك مكان للنَّوم، وطعام حقيقي، ومدرسة.... ولكنْ بشرط واحد، هو أنْ تبذُلي قصارَى جهدكِ وتصبرِي، ومنذ تلك اللَّيلة لم تعرف «إميلي» طعمَ الخوفِ مجددًا.
تغيَّر مجرى حياتها، إذ درست الطفلة «إميلي» بجدٍّ، وتفوَّقت في دراستها على زملائها في الدِّراسة، حتَّى تخرَّجت كأفضل طالبة في جامعة كولومبيا، التي تُعدُّ من أعرق الجامعات الخاصَّة الأمريكيَّة؛ لتُؤسِّس فيما بعد منظَّمةً خيريَّةً تحمل اسم... «هل أستطيعُ أنْ آكلَ مَعَكَ»؟ تهتم هذه المنظَّمة بإطعام الأطفال المشرَّدِين، والقيام بتعليمهم، والاعتناء بهم.
وفي كل يوم يُوافق ١٥ أكتوبر من كل عام، يعود الملياردير «ريتشارد إيفانز»، والآنسة «إميلي» إلى ذلك المطعم الشَّهير بمدينة شيكاغو، الذي التقيا فيه أول مرة، ولكن ليس ليأكلا في داخل المطعم الفاخر، بل ليملآ الأرصفة بطاولات الطعام وتقديمها لكل جائع. بلا أسئلة ولا شروط.


