Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. صالح عبدالعزيز الكريّم

«حلاوة» الإيمان

A A
كلمة «حلاوة « تعني الطَّعم اللَّذيذ عبر التذوُّق، والأصلُ في التذوُّق أنْ يُدرك باللَّسان، من خلال براعم التذوُّق؛ لأنَّه وحده -بيولوجيا- مَن يملك براعم التذوُّق، لكنَّ كلمة «حلاوة» يُذهب بها في الاستخدام إلى أبعد من ذلك المعنى الحسيِّ، أو التذوُّق البيولوجيِّ إلى الاستخدام المعنويِّ والتذوُّق المعنويِّ مثل «حلاوة الإيمان»، لقد ذكر هذا المصطلح نصًّا الرَّسولُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في قوله: «ثلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوةَ الإِيمَانِ»، فللإيمانِ مذاقه الطَّعم، والحلو، واللَّذيذ، ويشعر به الإنسانُ في قلبهِ الذي هو بيت الإيمان، يقومُ القلبُ بدورَين أساسَينِ، أوَّلهمَا الدَّورُ البيولوجيُّ، والثَّاني الدَّورُ الإيمانيُّ، إنَّه الموجِّه في الحالتَين لجميع أعضاء الجسم، إذا صَلُحَ القَلبُ طبيًّا وبيولوجيُّا تَصِحُّ أعضَاؤهُ وتصبحُ في صحَّةٍ جيِّدةٍ، أمَّا إذا أُصيبَ بمرضٍ، أو توقَّفَ عن العملِ، لحقتهُ الأعضاءُ؛ نظرًا لأنَّه هو مَن يزوِّدها بالأكسجين والغذاء، وكذا إذا غمرَ الإيمانُ القلبَ تبعتهُ الجَوارحُ (الأعضاءُ)، فليس هناك زلَّة لسان، ولا غيبة، ولا نميمة، ولا نظر إلى حرامٍ، ولا استماع إلى محرَّم، فكل الاعضاء تذعن إلى إيمان القلب.
نعود لموضوع حلاوة الإيمان المذكورة في الحديث، التي قال فيها نبيُّنا -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «ثلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوةَ الإِيمَانِ»، ثمَّ ذكر أوَّلها «أنْ يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إِليهِ ممَّا سِوَاهمَا»، إنَّ نقطة التحرُّك نحو تحقيق معنى حلاوة الإيمان هو التجرُّد بالحبِّ لله -جلَّ جلالُه- والرَّسولُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- فلن يكونَ هناكَ إيمانٌ، أو يتلذذ الإنسان بحلاوته إلَّا أنْ يسبق ذلك حب الله ورسوله، فحب الله ورسوله هرمونات ورسائل إشعار بحصول سعادة القلب، وصناعة حلاوته، ومن كرمِ الله، أنْ جعل علاقة الحُبِّ معه متبادلةً (يُحِبُّهُم ويُحِبُّونَهُ)، فهو -سبحانَه وتعَالى- يعلنُ أنَّه يحبُّ المُتَّقِينَ، وَالمُحْسِنِينَ، وَالمُتوكِّلِينَ، والتَّائِبِينَ، والمُتَطَهِّرِينَ، وَالمُقْسِطِينَ، وَالصَّابِرِينَ؛ لأنَّهم هم مَن حقَّقوا حُبَّ اللهِ فأحبَّهُم، وأمَّا حلاوة الإيمان بمحبِّة الرَّسول -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- فإنَّها لا تتحقَّق إلَّا بأنْ يكونَ حبُّه -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- أحبَّ مِن كلِّ شيءٍ في الحياةِ، فعن أنس بن مالك -رَضِيَ اللهُ عنهُ- قال: قالَ النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «لَا يُؤمِنُ أحَدُكُم حتَّى أَكونَ أحبَّ إِليهِ مِن وَالدِهِ وَوَلدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ» وسنشرحُ بقيَّة أسباب حلاوة الإيمان، التي وردت في الحديث، في مقالٍ آخرَ -إنْ شاءَ اللهُ-.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store