Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

الانبهار لا يصنع بيتًا آمنًا

A A
الحالةُ المطريَّةُ التي شهدتهَا مدينةُ جدَّة الأسبوع الماضي، لم تكن عابرةً، بل جاءت قياسيَّةً، وغير مسبوقةٍ في حدَّتِها، ولم تقتصر آثارها على جدَّة وحدها، بل شملت عددًا من مناطق المملكة، وفِي كلِّ مرَّة، تكشفُ مثلُ هذه الحالات عيوبَ المباني واختلالاتِها، وتُخرجُ إلى السَّطح ما كان مخفيًّا خلف الجدران، لتتصدَّر المشاهد، ووسائل التواصل الاجتماعيِّ بصورٍ مؤلمةٍ؛ بعضها فرضته قسوةُ الطبيعة، وبعضها الآخرُ كان نتيجة تراكماتٍ لا يمكن القفزُ عليها. المشهدُ الأكثرُ إيلامًا أنَّ الضَّرر لم يفرِّق بين بيتٍ متواضعٍ، أو منزلٍ فخمٍ؛ الجميع كان في دائرة الخطر نفسها، والجميع اكتشفَ أنَّ المظهر الخارجيَّ لا يكفي ليحكي قصَّة السَّلامة من الداخل، عن تجربة شخصيَّة، مررتُ بموقفٍ مشابهٍ قبل سنوات، ولا أزالُ أتعامل مع تبعاتِهِ بشكلٍ مختلفٍ، رغم تغيُّر الظروف، وتطوُّر اللوائح، وتعدُّد الخيارات.

خلال الأعوام الماضية، بُذلتُ جهود تنظيميَّة واضحة، أسهمت في رفع سقف الاشتراطات، ووُضعت أُطر تهدف إلى ضبط جودة البناء، والحدِّ من التجاوزات، كما بدأ الوعي بأهميَّة حماية المساكن عبر التأمين يتنامى تدريجيًّا، ومع ذلك، تبقى هذه الخُطوات غير مكتملة الأثر ما لم يقابلها وعيٌ موازٍ لدى الطَّرف الأهم في المعادلة: المشتري.

هنا تكمن الفجوة الحقيقيَّة، كثير من المُقبلِين على شِراء المنازل، ما زالُوا أسرَى الانبهارِ بالإضاءاتِ، والديكوراتِ، والواجهاتِ اللَّامعةِ، دون الالتفاتِ إلى ما خلف الجدران، هذه التفاصيل الجماليَّة قد تُخفِي عيوبًا إنشائيَّة مكلِّفة، لا تظهر إلَّا عند أوَّل اختبار فعليٍّ، فيما يكون المشتري قد ربط نفسه بالتزام ماليٍّ طويل الأمد، وغالبًا عبر قروض بنكيَّة، لتتحوَّل الصفقة من حلم استقرار، إلى عبء متكرِّر.

الحديث عن الوقاية هنا ليس ترفًا، هناك أسس لا تحتمل المجاملة، في مقدِّمتها إخضاع المنزل لفحص هندسيٍّ شامل من جهةٍ معتمَدة، والاطِّلاع على اختبارات التربة، ومراجعة تسلسل مراحل البناء ووثائقها الفنيَّة، أي تردد، أو مراوغة في تقديم هذه المتطلَّبات يجب أنْ يُقرأ كإشارةِ تحذيرٍ مبكِّرة، مهما بلغ مستوى الإبهار البصريِّ.

البيت في جوهره ليس واجهةً جذَّابةً، ولا مساحةً مُزينةً بعنايةٍ، بل منظومة أمان واستقرار، يُفترض أنْ تصمد أمام الظُّروف قبل أنْ تُرضي العين.

* نقطة تحت السطر:

مع كلِّ موسمٍ مطريٍّ، تعودُ الرسالةُ ذاتُها لتفرضَ نفسهَا: افحصْ قبلَ أنْ تُوقِّع، واسألْ قبلَ أنْ تنبهرَ، فثمنُ التجاهلِ لا يُدفع مرَّة واحدة، بل يتجدَّد معَ كلِّ اختبارٍ جديدٍ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store