Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. محمد سالم الغامدي

الدين بين الوسيلة والغاية

A A
يمكن تعريف الدِّين بمفهومه العام، بأنَّه نظام ربانيٌّ يتضمَّن عددًا من الشَّرائع لعبادة الله تعَالى، سمَّاهَا اللهُ تعالى الإسلام؛ لقوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ)، أي الاستسلام لله تعَالى وحده لا شريكَ له، وعبادته بتلك الشَّرائع لقوله تعَالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، كما يتضمَّن عمارة الأرض، من خلال عددٍ من القيم والمبادئ والسلوكات التي تضمن نشر الأمن والاستقرار، وحفظ الحقوق، وفتح آفاق العلم والمعرفة المُنتجة، من خلال التميُّز والإبداع والابتكار لقولهِ تعَالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)، أي جعلكم معمِّرِينَ لها، وهذا يجعلنا نقول: إنَّ الغاية من وضع هذا الدِّين، هو العبادة، وعمارة الأرض، وليكن منهجًا بشريًّا لتلك العبادة، وذلك الإعمار، وتحفيز العباد على التفكُّر، والتدبُّر، وسبر أغوار هذا الكون العظيم؛ لربط المخلوق بخالقه، وبناء هذه الأرض حتَّى تقوم السَّاعة.

فما الوسائل التي يستوجب من البشر القيام بها لتحقيق هذه الغاية العظيمة؟

ولنبدأ أوَّلًا بالمحور العباديِّ، كونه الأساس المستوجب على العباد القيام به، وهو الالتزام بوحدانيَّة الله تعالى، وعدم الإشراك قولًا وعملًا، وهنا نودُّ تصحيح مسمَّى التَّوحيد المتداول بين النَّاس بمُسمَّى الوحدانيَّة؛ لأنَّ المقصود بالتَّوحيد هو ضمُّ مجموعة عناصر في عنصرٍ واحدٍ، بينما مُسمَّى الوحدانيَّة هو المُناسب للذَّات الإلهيَّة، وبعد هذا يكون الالتزامُ بالإيمانِ بالله تعَالى، ثمَّ بالملائكة القائمِينَ على خدمة الإله الأوحد، وبالكتب السماويَّة المُنزَّلة، والرُّسل المكلِّفِين بتبليغ تلك الكتب، ثمَّ إقامة العبادات المفروضة لتحقيق تلك العبادة، والتي يستوجب علينا عدم النَّظر اليها كحركات نقوم بها، بل لنلتزم بما تتضمَّنه تلك العبادات من مبادئ وقِيم وسلوكات يستوجب أنْ تنعكس على سلوكاتنا الحياتيَّة اليوميَّة، فمثلًا الصَّلاة التي عبث بمفهومها البعضُ، فجعلُوها قاصرةً على الصَّلوات الركعيَّة الخمس، وما يتبعها من نوافل، وعزَّزُوا هذا المفهوم بالاهتمام بالكيفيَّة، والعدد، وتركُوا الأهم، وهو ما يرتبط بها من القِيم والسلوكات والمبادئ، بينما الصَّلاةُ بمفهومها الشَّامل تُعدُّ أداة التَّواصل مع الله سبحانه في كلِّ زمان ومكان، من خلال الدُّعاء، والتَّسبيح، والتَّوسُّل، والرَّجاء، وما الصَّلوات الخمس إلَّا جزءٌ يسيرٌ يتفرَّغ الإنسانُ فيه لذلك التَّواصل، وإذا لم تنعكس قيمها على القِيم والسلوكات اليوميَّة مع الله، من خلال الالتزام بما أمر به، والابتعاد عمَّا نهى عنه، ومع العباد من خلال المعاملات الحياتيَّة كالصِّدق، والأمانة، والعدل، والمساواة، والوفاء بالوعد، وعدم الغيبة والنميمة، وعدم أكل مال اليتيم، والمال العام، والابتعاد عن الظُّلم والتَّنابز بالإلقاب، والهمز واللَّمز.

وبالنسبة للصِّيام ليس معناه الامتناع عن الطعام والشَّراب، ومباشرة النساء فقط، بل يتم من خلال الالتزام بقيمهِ كالصَّبر، والصَّدَقة، والتَّكافل.

وكذا الزَّكاةُ ليست مجرَّد اقتطاع نسبةٍ من المال، أو الأنعام، أو الحبوب والثمرات، بل من خلال الحث على التَّكافل، والصَّدَقة للفقراء، والمساكين، والعاملين عليها، والمؤلَّفة قلوبهم، والرِّقاب، (المستعَبدِين)، والغارمين (أصحاب الدُّيون)، وفي سبيل الله (المجاهدين)، وابن السبيل.

وكذا الحج ليس كمجرَّد زيارة البيت الحرام والمشاعر المقدَّسة فقط، بل على الحاجِّ الالتزام بقيمه الضمنيَّة كاستشعار يوم الحساب، والالتقاء بجموع المسلمِين، والتَّعارف، والتَّعاضد.

فمطالب الدين الربانية تسعى للعدل والمساواة بين البشر، وتحقيق الأمن والاستقرار، وكبح ممارسات الظلم والفجور، وكل ألوان الفساد في الأرض، إلى جانب وحدانية الله تعالى، التي تُعدُّ المطلب الأوَّل والأساس، ولهذا كانت الشَّرائع السماويَّة متتابعةَ النُّزول على الأمم، فكلُّ أُمَّةٍ كان يرسلُ اللهُ لهَا رسولًا بكتابٍ كالتوراة، والإنجيل، والزَّبور، وآخرها القرآن الكريم، الذي ختمَ وأكملَ وأتمَّ وفصَّلَ، ولم يفرِّط في أمرٍ من أمور التَّشريع؛ كون هذه الرِّسالة تُعدُّ الخاتمة لقولهِ تعَالى: (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ).

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store