خروج المنتخبِ السعوديِّ من المنافسة الأخيرة، لم يكن صدمةً؛ بقدر ما كان نتيجة منطقيَّة لمسار يحتاج إلى مراجعةٍ هادئةٍ، بعيدة عن الانفعال، والبحث عن شمَّاعات جاهزةٍ، فالرياضة، وكرة القدم تحديدًا، لا تُقَاس بلحظةٍ واحدةٍ، أو مباراة فاصلةٍ، بل بسلسلة قرارات تراكميَّة، تبدأ من القاعدة، وتنتهي عند أرض الملعب.
من الخطأ اختزال الخروج في ضعف بعض اللَّاعبِينَ، أو سوء الحظِّ، الواقع يقول إنَّ الأداء تذبذب، والهويَّة الفنيَّة لم تكن مستقرَّةً، والتَّعامل مع التفاصيل الصَّغيرة -التي تصنع الفارق في البطولات- لم يكنْ على المستوى المطلوب، هذا لا يُلغي وجود عناصر موهوبة، ولا يُقلِّل من الجهد المبذول، لكنَّه يؤكِّد أنَّ العمل الحاليَّ لم يصل بعد إلى مرحلة الاستدامة التنافسيَّة.
الاتِّحادُ السعوديُّ لكرة القدم حقَّق خلال السنوات الماضية قفزات تنظيميَّة واستثماريَّة واضحة، سواء في تطوير الدوريِّ، أو البنية التحتيَّة، أو الحضور الدوليِّ، لكنَّ التحدِّي الحقيقي اليوم ليس في حجم الصَّرف، أو كثرة المبادرات، بل في ترابط المشروع، وهل هناك فلسفة فنيَّة واضحة ممتدَّة من المنتخبات السنيَّة إلى الأوَّل؟.
هل يتم تقييم الأجهزة الفنيَّة بمعايير أداء طويلة المدى، لا بنتائج لحظيَّة؟. هل يتم تحييد الضغوط الإعلاميَّة والجماهيريَّة عن القرارات الفنيَّة؟.
الإجابة الصَّادقة عن هذه الأسئلة هي ما سيُحدِّد نجاح المرحلة المقبلة. الاستعداد الحقيقي لكأس العالم، لا يبدأ قبل البطولة بعامٍ أو اثنين، بل هو مشروع يمتدُّ 6- 8 سنوات.
الاحترافُ الخارجيُّ ليس هدفًا إعلاميًّا، بل أداة فنيَّة، فاللَّاعب الذي يخرج يجب أنْ يشارك ويتطوَّر، لا أنْ يجلس على الدكة باسم التجربة.
المدربُ المطلوبُ هو مَن يبني، لا مَن يطفئ الحرائق، عقده يجب أنْ يُحمى من ردود الفعل العاطفيَّة، ويُحاسَب بمؤشِّرات واضحة.. ويجب أنْ يكون هناك إعدادٌ ذهنيٌّ ونفسيٌّ موازٍ للإعداد البدنيِّ.. كثير من المباريات تُخسر ذهنيًّا قبل أن تبدأ، فالعملُ النفسيُّ لم يعد رفاهية في كرة القدم الحديثة. ما يحدث للمنتخب لا ينفصل عن المشهد الرياضيِّ العام.. فالسعودية اليوم تمتلك استثمارات ضخمة في الرياضة، وحضورًا عالميًّا متزايدًا.. لكنَّ التحدِّي هو تحويل الزخم إلى نتائج مستدامة.. فالرياضة ليست فقط استضافة بطولات، أو استقطاب نجوم، بل بناء منظومة تُنتج بطلًا محليًّا قادرًا على المنافسة عالميًّا.
الخروج الأخير يجب ألَّا يُقرَأ كفشل، بل كإنذار مبكِّر وفرصة تصحيح. الطريق إلى كأس العالم لا يعبد بالتصريحات، ولا بردود الأفعال، بل بالهدوء، والجرأة في التقييم، والالتزام بمشروع طويل النفس.
وعندما تتطابق الرُّؤية الفنيَّة مع الطموح الوطنيِّ، يصبح السؤال ليس: لماذا خرجنا؟، بل: كيف ننافس؟ وكيف نفوز؟!.


