هل سمعتَ يومًا أحدَهم يقولُ: «أبناؤنَا في مرحلةِ المراهقةِ... اصبرُوا عليهِم»؟ قد يبدُو هذا الكلام عاديًّا في زمن أصبحت فيه فكرةُ «المراهقة» مرحلةً حرجةً، لا بُدَّ أنْ يمرَّ بها كلُّ شابٍّ وشابَّةٍ. لكن لو عُدنا إلى حضارتنا الإسلاميَّة، سنكتشفُ شيئًا لافتًا، وهو أنَّ المراهقة، كمفهومٍ مضطربٍ، مليءٌ بالتمرُّد والانفصال، لم تكن موجودةً أصلًا في حياة المسلمِينَ.
المراهقةُ مفهومٌ غربيٌّ لا ينسجمُ مع ثقافتنا كمسلمِينَ؛ فهي فكرةٌ نشأت في بيئة فصلت بين الطفولةِ والرُّشدِ بمرحلةٍ غامضةٍ تكثر فيها الاضطراباتُ والصراعاتُ، وكأنَّ الإنسان لا يُولد مكتملَ الطاقات إلَّا بعد سلسلة من العواصف النفسيَّة. أمَّا في ثقافتنا، فقد كان العبورُ واضحًا كطلوع الفجر، فعندما يبلغ الإنسانُ يُكلَّف، ويُعامَل باعتباره قادرًا على الفهم والاختيار والمحاسبة، من غير أنْ يُحبَس في منطقة رماديَّة تُعفيه من الواجبات، وتُثقل كاهله بالشعور بالضياع.
ولعلَّ حياة المسلمِينَ الأوائل تشهد بذلك شهادةً لا يُنكرها منصفٌ، فأسامة بن زيد يقود جيشًا وهو في السابعة عشرة، وعليٌّ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- يبيت في فراش النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- ليلةَ الهجرةِ، وهو شابٌّ حديثُ السِّن، وعائشة -رَضِيَ اللهُ عنهَا- تنقلُ العلمَ، وتُفتي كبارَ الصحابة، من دون أنْ يُقال إنَّها ما تزال «تمرُّ بمرحلةٍ انتقاليَّةٍ». كان الشابُّ يُستنهض ليكون رجلًا، لا ليُقَال له: تمهَّل، لم تنضج بعد. وكانت الفتاةُ تُعامَل كمسؤولةٍ عن دينها، وأخلاقها، وبيتها، لا كفتاةٍ «تبحث عن نفسها».
ولم يكن الأمرُ حصرًا على كبار الشخصيَّات، بل هو حال المجتمع كله، فالشابُّ في الخامسة عشرة يعمل مع أبيه، ويتعلَّم السوق والبيع، ويتدرَّب على اتِّخاذ القرار. والفتاةُ في الرابعة عشرة تساعد أُمَّها في شؤون البيت، وتُقبل على العلمِ والعبادةِ، وكلاهما يعيشُ إحساسًا مبكِّرًا بالمسؤوليَّة؛ لأنَّ المجتمع لم يزرع في داخلهما فكرة «أزمة المراهقة»، بل زرع اليقينُ بأنَّ الإنسانَ قادرٌ على النضج متى ما طُلب منه ذلك.
إنَّ مفهوم المراهقة كما يُقدَّم في المدارس والإعلام اليوم، لا ينتمي إلى بيئتنا؛ لأنَّه يمدِّد زمن الطفولة، ويؤخِّر لحظة النهوض، ويزرع في نفوس أبنائنا شعورًا بأنَّهم غير مؤهَّلين بعد، وأنَّ التمرُّد والفوضى والانفعالات الحادَّة هي «حقٌّ طبيعيٌّ» لا يجب أنْ يُسألُوا عنه. بينما ثقافتنا الإسلاميَّة تُعلِّم أنَّ الاستقامةَ ممكنةٌ، وأنَّ القوَّة تُبنَى بالمسؤوليَّة، وأنَّ النضجَ ليس عمرًا، بل موقفًا.
لذلك نقول -ببساطة ووضوح-: إنَّ المراهقةَ مفهومٌ غربيٌّ، وإذا لم ننتبه له، فسيفصل أبناءَنا عن جذورهم، بينما دينُنا وثقافتُنا يقدِّمان طريقًا أقصرَ وأصفَى نحو النُّضج... طريقًا يبدأ من يوم البلوغ، وينتهي برجلٍ وامرأةٍ يعرف كلٌّ منهما مكانه، ويدرك قيمته، ويعيش دوره كاملًا غير منقوصٍ.


