تأتي أيام المناسبات، كما هو اليوم العالمي للُّغة العربيَّة (مكرِّرة) المضمون، يخالفها الواقع بما يناقضها جملةً وتفصيلًا، إلَّا من ذات اليوم، الذي يُعاد فيه رفع ذات الشِّعارات، وتُكرَّر فيه ذات الجُمل والعبارات، ثمَّ ينتهي كلُّ شيءٍ على وعد بتكرار ذات المشهد العام المقبل.
وفي شأن الاحتفاء باللُّغة العربيَّة، فإنَّ ممَّا يُؤسف له أنَّها تعيشُ واقعَ غربةٍ منذ أنْ أطلق حافظ إبراهيم رثائيَّته الشَّهيرة، في وقت أثقُ أنَّ ذلك العصر، الذي تمخَّض فيه تلك القصيدة لم يكن بذات ما تعيشه اليوم لُغة القرآن من واقع لا يمكن تصوُّر ما يمكن أنْ يقوله شاعرُ النِّيل فيما لو كان اليوم بيننا، ويرى في شأن غربةِ اللُّغة العربيَّة ما نرى.
نعم إنَّها غربةٌ حقيقيَّةٌ، ولا أدلَّ على ذلك من أنَّ مَن يتحدَّث بالفُصحَى رغم عجمته سيكون مثارًا للسُّخرية في مجلس كل مَن فيه عرب، في وقت ستحتاج إلى مترجمٍ عندما يتحدَّث كلٌّ منهم بلهجته، وستقف وبما لا يدعُ مجالًا للشَّكِّ على واقعٍ مُرٍّ تعيشه لُغة العرب على لسان أبنائها.
في جانبٍ آخرَ فإنَّ فيما تحمله لافتات المحال، والأسواق التجاريَّة من أسماء ليس لها من العربيَّة إلَّا حروفها، شاهد على واقع غُربة لا يمكن بحالٍ تجاوزه إلى تطمينات أنَّ (مكانة) اللُّغة العربيَّة في موطنها اليوم بخير، فضلًا على أنَّ تلك الأسماء ما هي إلَّا مسمَّيات من لغات أُخْرى كُتبت لفظًا بالعربيَّة، ودرجت بها الألسنُ، وكأنَّ لُغة (الضَّاد)، والإعجاز، والبيان، والأفضليَّة (المُطلقة) بين لُغات البشريَّة عاجزةٌ عن أنْ تعبِّر عن كلِّ جديدٍ، وهي مَن كانت في يوم من أيام (السِّيادة) لُغة يُخطب ودُّها من كل أنحاء الأرض.
لنصل إلى أنَّ الاحتفاء باللُّغة العربيَّة في يومها العالميِّ سيمضي كما هي أيام المناسبات مع مزيد من (تُخمة) الشِّعارات، ليأتي إشراق اليوم التالي بميلاد جديد، وموعد متجدِّد من (غربة) تعيشها اللُّغة العربيَّة من المحيط إلى الخليج، وبما يؤكِّد أنَّها في ظلِّ اتِّساع، وسيادة رقعة اللَّهجات، وإدخال ما ليس من العربيَّة عليها، كما هو حال الأسماء، والمصطلحات ما يعيدنا إلى ذات موقف (الألم)، الذي أنشد فيه حافظ إبراهيم قصيدته العصماء، ولكن بفارقٍ كبيرٍ بين واقع اللُّغة العربيَّة اليوم، ومثار ألمه، وشكواه رغم كل ما كان من ثراء أدبيٍّ، ومعرفيِّ وقتذاك، وعِلمِي وسَلامَتكُم.


