شهوة الترند حوّلت الوعظ عند بعض الأشخاص إلى سلعة سريعة التداول. خطاب جاهز، نبرة عالية، وجرعة عاطفية كافية لاصطياد التفاعل. لا قيمة للحقيقة هنا، ولا وزن للتجربة، المهم جملة تصفق لها الخوارزميات، وتُرضي مزاج جمهور يبحث عن الطمأنينة السهلة. هكذا يُصنع الترند، وهكذا تُباع القناعات بالتقسيط.
المشكلة تبدأ حين يصبح التناقض أسلوب حياة. ترى أحدهم يعيش امتيازاته كاملة؛ وظيفة مرموقة، دخل مريح، شريك حياة يعمل ويشارك في صناعة الاستقرار، ثم يخرج ليكتب أن المكان «الأفضل» للمرأة هو البيت ورعاية الأطفال. هذا المشهد لا ينتمي للنقاش الفكري، ولا يمت بصلة للاجتهاد الاجتماعي، إنه دجل ناعم مُغلَّف بلغةٍ أخلاقية. خطاب يطلب من الآخرين ما لا يُطبّقه صاحبه، ويُصادر خيارات الناس وهو غارق في نتائج خيارات مغايرة. المسألة هنا أعمق من رأي حول دور المرأة أو الرجل. التربية مسؤولية مشتركة، والعمل قيمة إنسانية، والاختلاف في الترتيبات الأسرية حق مشروع. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في ازدواجية المعايير. حين تتحول القناعة إلى قناع، وحين يُستخدم الدين أو الأخلاق لتلميع صورة شخصية أو لتضخيم حضور رقمي، يصبح الصمت خطأ، ويغدو النقد واجبًا.
الهستيريا من أجل الترند تكشف خوفًا دفينًا من الاختفاء. بعضهم يصرخ كي يُرى، ويبالغ كي يُسمع، ويختار أكثر العناوين استفزازًا لأن الوسطية لا تُكافأ. الخوارزمية لا تحب التعقيد، والجمهور المتعب يفضّل الأحكام الجاهزة. في هذا المناخ، ينجح مَن يُقدّم وصفات مختصرة للحياة، حتى لو خالفت تجربته الخاصة.
المطلوب قدر من الشجاعة الأخلاقية. أن يقول الإنسان ما يعيش، وأن يعيش ما يقول. أن يعترف بتعقيد الواقع بدل تزويره. المنصات لا تحتاج مزيدًا من الوعّاظ الموسميين، بقدر الحاجة لأصوات صادقة تتحمل كُلفة الصدق. الترند يزول، أما الأثر فيبقى، والتاريخ لا يرحم من باع الوهم ثم طالب الآخرين بدفع الفاتورة.


