المقصود بالعنوان هو العَتَب الكبير. وموضوعنا يبدأ بعد التدخل البطولي خلال الأسبوع الماضي لأحمد الأحمد المسلم، السوري الأصل، لإنقاذ عشرات اليهود من الهجوم الإجرامي على شاطئ «بوندي» في أستراليا، ورفض بعض الجهات بالاعتراف بأصول وديانة هذا الرجل الشجاع. سجلت مئات الكاميرات اللحظات الحرجة على الهواء، وسارعت بعض الجهات السياسية والإعلامية والشعبوية بإلقاء اللوم على المسلمين، ولكنهم فوجئوا بأصول وديانة المنقذ بأمر الله. وهذا الموقف ليس من الأحداث الغريبة، فعبر التاريخ كانت الحضارة الإسلامية بشكل عام، والدول العربية بشكل خاص تمثل بيئة متميزة للحفاظ على كرامة البشر مهما كانت اختلافاتهم، ويشمل ذلك الدفاع عن الحقوق للجميع. وللعلم فسكن اليهود في الدول الإسلامية والعربية أكثر من أي مكان آخر في العالم، وبالذات خلال الفترة بين القرن العاشر والتاسع عشر الميلادي. وهناك المزيد، فتخيل أن الرجل الأول والأهم في فلاسفة اليهود هو «الريس الطبيب موسى ابن الميمون»؛ الذي وُلِدَ في الأندلس، ثم عاش في مصر الشقيقة، وأنه كتب أهم أعماله باللغة العربية، ومن أهم انعكاسات الثقافة اليهودية إلى يومنا هذا، هي قراءة بعض من أعماله باللغة العربية في الجلسات الثقافية اليهودية الرفيعة المستوى. وللعلم أيضاً، فعند سقوط الأندلس في 1492م، تم طرد اليهود منها، وكانت الدولة العثمانية برئاسة السلطان «بايزيد الثاني» هي أول من استقبلهم. وبالإضافة إلى ما ذُكِر، فأحد أجمل الأمثلة على التعامل التاريخي الإسلامي الحضاري مع اليهود يتبلور في قصة كتابين. كما نعرف جميعاً أن الكتب تُخاطب القراء بلغات، وأصوات، ورسائل مختلفة، ولكن بعض الكتب تخاطب مجموعات هائلة من الكتب الأخرى، بل وتهيمن على رسائلها، ولغتها. وأخص بالذكر «تاج حلب» Aleppo Codex وهو أهم المخطوطات لليهود. كان الدليل الوحيد المعتمد من «موسى ابن الميمون» المذكور أعلاه لكتابة قواعد التوراة ونصها العبري المعتمد. وتنقل «التاج» قبل حوالي ألف سنة من القدس إلى القاهرة، ثم حلب العزيزة، حيث استقر لفترة حوالى تسعمائة وخمسين سنة، ثم تم تهريبه إلى القدس في الأراضي الفلسطينية المحتلة. جدير بالذكر أيضا كتاب «تاج دمشق» - وهو من أهم المخطوطات التاريخية التي كانت محفوظة في دمشق الغالية لمئات السنين- تكمن أهميته في كونه الدليل الأساس لتشكيل الحروف ونطق الكلمات العبرية في الكتب المقدسة. وقد حافظت الحضارة العربية على تلك المخطوطات لمئات السنين بأمانةٍ وحرص. وللعلم فقد تم تهريب مخطوطات «تاج حلب» إلى القدس، وأما «تاج دمشق» فهي موجودة في مجموعة متاحف ومكتبات حول العالم.
* أمنيــــــة:
أتمنى أن ندرك مقدار المغالطات في حق الحضارة الإسلامية من العديد من الجهات التي تدّعي احترام التاريخ. وبالرغم من وجود الأدلة التاريخية القاطعة على التعامل الراقي في الحضارة الإسلامية مع اليهود عبر التاريخ، فهناك مَن يُجيد فنون إخفاء الحقائق لتبرير الافتراءات ضد المسلمين والعرب بشكلٍ عام، وفلسطين بشكلٍ خاص. والله يمهل ولا يهمل، وهو من وراء القصد.


