كما تحتاجُ أيُّ وصفةٍ ناجحةٍ إلى مكوِّناتها الأساسيَّة بدقَّة، تحتاجُ النُّظم السياسيَّة إلى شروطها الموضوعيَّة؛ كي تنجح. فغيابُ عنصر واحد كفيلٌ بإفساد الطَّبق كله. والديمقراطيَّة بصيغتها الغربيَّة المعاصرة ليست امتدادًا خالصًا للديمقراطيَّة الأثينيَّة الأُولى، بل هي منتجٌ تاريخيٌّ مختلفٌ، نشأ في سياق اجتماعيٍّ وثقافيٍّ واقتصاديٍّ خاصٍّ، ثم أُعيد تصديره إلى العالم بوصفه النموذج الوحيد الصَّالح للجميع.
الديمقراطيَّة القديمة، سواء في أثينا، أو في روما الجمهوريَّة، كانت محصورةً في دائرة ضيِّقة من «أهل الحل والعقد»، من الحكماء ووجهاء المجتمع وقادته. أمَّا الديمقراطيَّة الحديثة، فقد فتحت باب التَّصويت العام على مصراعيه، دون تمييز بين المتعلِّم والجاهل، الواعي والمغيَّب، الصَّالح والطَّالح. ومع الوقت، لم تعد صناديق الاقتراع تعبيرًا نقيًّا عن الإرادة الشعبيَّة، بل تحوَّلت إلى ساحة تتصارع فيها الإعلامُ، والمالُ، والأيديولوجيا، وتديرها أحزابٌ ظاهرةٌ، ودولٌ عميقةٌ تعمل من خلف الستار.
كبرت اللُّعبة الديمقراطيَّة وتعقَّدت، وتحوَّلت من وسيلة حكم، إلى صناعةٍ قائمةٍ بذاتها، تصنع القادة، وتوجِّه القرارات غالبًا بما يخدم مصالح أقليَّة ضيِّقة من أصحاب النفوذ الماليِّ والسياسيِّ، على حساب الأغلبيَّة. وتشابكت مصالح الشركات الكُبْرى مع مؤسسات الدَّولة التنفيذيَّة والعسكريَّة والأمنيَّة، فأصبحت القوانين تُصاغ لحماية النُّخب، لا لتحقيق العدالة الاجتماعيَّة، أو التنمية المتوازنة.
هذا التحوُّل لم يكن سلميًّا أو سريعًا. فقد احتاج الغرب قرونًا من الصراعات الدينيَّة، والحروب الأهليَّة، والثورات الاجتماعيَّة، منذ الإصلاح الدينيِّ في القرن السادس عشر، مرورًا بانهيار التحالف بين العرش والكنيسة، وصولًا إلى نشوء الدولة القوميَّة العلمانيَّة. وسقط النظام الإقطاعيُّ، وتفكَّكت البنى التقليديَّة، وانتقل المجتمعُ من الجماعة إلى الفرد.
ثم جاءت الثورة الصناعيَّة، فالثورات الأيديولوجيَّة الكُبْرى في القرن العشرين، من شيوعيَّة ونازيَّة، أعقبتها الحروب العالميَّة، ثمَّ العولمة الاقتصاديَّة، والثورة التقنية. ومع كل مرحلة، كانت الروابط الاجتماعيَّة تتآكل، وتتحوَّل المجتمعات إلى وحدات أصغر، حتى انتهت في كثيرٍ من الأحيان إلى «الفرد المعزول»، الذي لا تحكمه إلَّا مصلحته ورغباته الآنيَّة. في هذا السياق، برزت «الفرديَّة المُطلقة»؛ بوصفها الإطار النَّاظم للعلاقات الاجتماعيَّة والسياسيَّة. ولم يعد الدِّين، أو العائلة، أو الجماعة مرجعيَّةً حاكمةً، بل تحوَّلت إلى خياراتٍ شخصيَّة قابلة للتبديل. ومع تطوُّر وسائل الإعلام والاتِّصال، انتقلت السيطرةُ من القوَّة الخشنة إلى القوَّة النَّاعمة، التي تخترق العقول، وتُعيد تشكيل القِيم دون حاجة إلى الحروب الكُبْرى.
وعندما تعذَّر تعميم هذا النموذج على المجتمعات المحافظة، جرى العمل على تفكيكها من الدَّاخل. فاستُهدفت القبيلة والعائلة، وأُعيد تأويل الدِّين، وروِّجت مفاهيم مستوردة عن الحريَّة والهويَّة والانتماء غالبًا دون مراعاة للسِّياق الثقافيِّ والاجتماعيِّ المحليِّ. وهكذا تحوَّلت الديمقراطيَّة من آليَّة حكم إلى أداة إعادة هندسة للمجتمعات. في العالم العربيِّ، تبدو الإشكاليَّة أكثر تعقيدًا. فالتجارب الديمقراطيَّة التي فُرضت أو نُقلت حرفيًّا فشلت في تحقيق الاستقرار أو التنمية، كما حدث في أكثر من دولة. وفي المقابل، لم تنجح الجمهوريَّات العربيَّة في تقديم نموذج حكم رشيد، يُقنع شعوبها، أو يرد على الانتقادات الخارجيَّة. فانتشرت مشكلات الاستبداد، والفساد، والطائفيَّة، وسهُل تحميل الدِّين والقبيلة مسؤوليَّة الإخفاق، رغم أنَّ الخلل في جوهره كان إداريًّا وسياسيًّا لا ثقافيًّا.
الحلُّ لا يكمنُ في البدء من الصِّفر، ولا في استنساخ نماذج الآخرِينَ، بل في الانطلاق من واقعنا وتاريخنا. فالعالمُ العربيُّ ليس كتلةً واحدةً، وتجارب دول الخليج -على سبيل المثال- أثبتت أنَّ الاستقرار والتنمية ممكنان ضمن صيغ حكم تستندُ إلى التوافقِ الاجتماعيِّ، والشرعيَّةِ الثقافيَّةِ. كما أنَّ تاريخنا زاخرٌ بتجارب سياسيَّة وإداريَّة لا تزال الإنسانيَّة مَدِينةً لها. المطلوب اليوم، دور فاعل للعقل العربي، عبر الجامعات، ومراكز البحوث؛ لدراسة تجارب النجاح والفشل بموضوعية، وتصميم نظم حكم تناسب كلَّ مجتمع بخصوصيَّته، دون قطيعة مع العصر، أو استلاب له. فالزَّمن لا ينتظر المتردِّدين، والساعة دقَّت، والسُّؤال لم يعد: ماذا يريد المواطنُ العربيُّ؟ بل: هل يملكُ العربُ الجرأةَ للتفكيرِ المستقلِّ؟.


