في زيارتي لمدينة الغاط، زرت مكتبة منيرة الملحم. لم تكن الزيارة عابرة، بل وقوفًا هادئًا أمام سيرة امرأة آمنت أن الثقافة ليست ترفًا، بل فعل مسؤولية، وأن المعرفة أثرٌ يمتد أبعد من العمر. عند الدخول، شعرت أن المكان لا يحتضن كتبًا فقط، بل يحتفظ بروح صاحبة فكرة آمنت بالاستمرار.
منيرة بنت محمد الملحم لم تكن اسمًا يُستعاد للذكرى، بل نموذجًا مبكرًا للمرأة السعودية الواعية بدورها الثقافي والمجتمعي. حين أوصت بمالها ليكون مكتبة عامة، كانت تؤسس لوقف ثقافي يفتح أبوابه للجميع، ويمنح المعرفة حقها في الوصول. رأت في الكتاب رسالة، وفي الثقافة طريقًا لبناء الإنسان، وفي الوقف مشروعًا للأجيال لا ينقطع عطاؤه.
بين أروقة المكتبة، تتجلى صورة المرأة السعودية التي لم تغب يومًا عن المشهد الثقافي، وإن اختلفت أدوات حضورها. فدورها في الثقافة لم يكن طارئًا، بل متجذرًا في التعليم، والعمل المجتمعي، والمبادرات الوقفية التي صنعت وعيًا مستدامًا. منيرة الملحم واحدة من نساء كثيرات قدّمن أثرًا هادئًا، لكنه عميق، لا يُقاس بالظهور، بل بما يبقى.
نحن فخورون بنساء تركن للوطن ما يستمر، لا ما يُستهلك. ومنيرة الملحم قدّمت مكتبة، لكنها في الحقيقة قدّمت فكرة راسخة: أن المرأة حين تؤمن بدورها، تصنع ثقافة، وتكتب تاريخًا ناعم الحضور، عميق الأثر.
غادرت مكتبة منيرة الملحم وأنا أكثر يقينًا أن بعض النساء لا يكتفين بترك أثر، بل يتركن وطنًا أكثر وعيًا.


