بدايةً لا بُدَّ لنا من تعريف الاستقالة الصَّامتة: هي ظاهرةٌ يقوم فيها الموظَّفُ بأداء مهامِّه الوظيفيَّة الأساسيَّة فقط، دون بذل أيِّ جهود إضافيَّة، أو السَّعي للتميُّز، أو الانخراط في الأنشطة الجماعيَّة، وهي ليست استقالةً فعليَّةً، بل انسحابٌ عاطفيٌّ من أجواء العمل، الذي طالما أحبَّه وأخلص له؛ لإحساسه بالإرهاق، الإحباط، وعدم تقدير جهوده؛ ليعود أدراجه للاستمتاع بحياته الخاصَّة، دون أيِّ أكتراث لحياته العمليَّة وطموحاته المستقبليَّة!!
مُخطئٌ مَن يعتقدُ بأنَّ معاناة الكفاءات الوطنيَّة، قد تنتهي بالحصول على وظيفة بإحدى الهيئات العامَّة، أو الشركات الأهليَّة، بل تنتظرهم موجة من العراقيل المنظَّمة، بدايةً بالاحتراق الوظيفيِّ، وفقدان الشَّغف؛ لانعدام البيئة المحفِّزة، وانتهاءً بتجميد علاواتهم السنويَّة، ودفعهم إلى (الاستقالة الصَّامتة)!!
مخطئٌ مَن يعتقدٌ: أنَّ صمت ذلك الموظَّف المجمَّد منذ سنين طويلة، يعني استسلامه وإذعانه للقرارات الظَّالمة، بل هي وسيلة احتجاج متحضِّرة، يقول من خلالها: طالما لم تمنحونِي الزِّيادة المأمولة أُسوةً بالبقيَّة، سأكتفي بإنجاز مهامِّي الرئيسة، وسأعتذرُ بلطفٍ عن أيِّ تكليفات إضافيَّة!!
مخطئٌ مَن يعتقدُ: أنَّ وقوفه كمديرٍ عامٍّ (GM) بصفِّ الموارد البشريَّة على حساب منسوبيه، سوف يضمن له الحفاظ على منصبه، ومزاياه العالية، بل هي ممارسة ستفقده احترامَه وهيبتَه، حين تجري عليه المقولةُ الشَّهيرة: (المحايدُ هو شخصٌ لم ينصر الباطلَ، لكنْ المؤكَّد أنَّه خذلَ الحقَّ)!! مخطئٌ مَن يعتقدُ: أنَّ عدم دعمه كمصلح، أو مستشارٍ باللجنة العماليَّة الوديَّة، لتلك التظلُّمات التي ترده من موظِّفين أكفاء حُرمُوا من العلاوة السنويَّة، يصبح عادلًا؛ لعدم توافر نصوص ملزمة، فالقاعدة الشرعيَّة تقول:
(الحقُّ أَولَى بأنْ يُتَّبعَ)، ومنح زيادة لمَن حصل على تقييم ممتاز لا يحتاج مفاصلةً!!
لقد مهَّدت اللوائحُ العماليَّة إلى ضرورة سَنِّ سُلَّم رواتب بالشركة الأهليَّة، لكنْ هناك مستفيدون شغلُهم الشَّاغل احتكارُ العلاوة والتَّرقية، لذلك كله: مخطئٌ مَن يعتقدُ: أنَّ محاولته كمسؤولٍ (HR) محاربة الإدارة الناجحة، بتجميد الزِّيادة المستحقَّة، أو فرض القرارات المنغِّصة، سوف يُعلِي مراتبه، أو يُلمِّع صورته أمام مسيِّري الشركة، بل ستصبح وبالًا عليه حين تتراجع الإنتاجيَّة، ونجده مدفوعًا بالنهاية ممَّن استغلُّوه إلى (الاستقالة الفعليَّة)!!


