يُقصد بالهدرِ هنا الإفراطُ في بذل المال، أو الجهد، أو الوقت في أمرٍ قد يتحقَّق بمالٍ أقل، أو جهدٍ أقل، ووقتٍ أقل، ولو أسقطنا واقع هذا المفهوم على الجانب التنمويِّ لمُدننا كافَّة، وما تقوم به من مشروعات تتفاوت بين بنى تحتيَّة وفوقيَّة؛ لوجدنا هناك هدرًا، وحتَّى لا نطلق أحكامنا جزافًا، فسوف نذكر البعضَ القليلَ من الأمثلة على ذلك، وبما أنَّ البنية التحتيَّة دومًا تستهلك الكثير من الأموال، والجهود، والأوقات، فسوف نبدأ بالتقاط الأمثلة منها، فعلى سبيل التَّمثيل لا الحصر، نجد أنَّ شبكات المياه، والكهرباء، والصَّرف الصِّحي، والاتِّصالات تُعدُّ الثَّابتة في تلك البنية، فشبكات المياه كم من المليارات تُصرف عليها، وعلى إيصالها لكلِّ منزلٍ منفردًا؟ وكم ينتج عن كل عمليَّة منها من العبث بالشَّوارع والأرصفة، وما يترتَّب على كل ذلك من الإهدار للمال، والجهد، والوقت؟ ولعلِّي أذكرُ هنا بعض الأمثلة لإيصال شبكة المياه من أقرب مركز تحكُّم إلى عمارةٍ مكوَّنة من 100 شقة، فإنَّ ذلك يتطلَّب عمل 100 حفريَّة، لكلِّ شقة عمل منفرد، وما ينتج عن كل واحدة من عبث، وإزعاج، وإهدار للجهد، والمال، والوقت. وقيسوا على ذلك كم من العمائر، وكم من الشقق في كل مدينة.
ومثل ذلك تمامًا إيصال الكهرباء إلى كلِّ منزل، وأيضًا الاتِّصالات، والصَّرف الصِّحي، وعليكم استخدام الحاسب الآلي فقط؛ لحساب حجم الهدر في المال، والجهد، والوقت؛ لعدم مقدرة الآلة الحاسبة لحساب ذلك، وكان الأحرى أنْ يتم تجهيز تلك البنية، قبل بيع المخطَّطات على المواطنِينَ عند التَّخطيط للأرض.
أمَّا ما يحدث فوق الأرض، فهو الأكثر ألمًا؛ لسبب بسيط، وهو أنَّ في المقدور فعل ذلك بيُسرٍ وسهولةٍ، فعلى سبيل التَّمثيل لا الحصر، سفلتة الشوارع، والتي تستهلك كل عام مليارات الريالات، كان الأحرَى أنْ يتمَّ صبُّ تلك الشوارع بالخرسانات المسلَّحة قبل وضع الإسفلت، وهنا ستكون التَّكلفة مرتفعةً قليلًا، لكن حتمًا ستكون مستدامةً، وبالتَّالي ينخفض حجم الأموال، والجهود، والأوقات المهدرة كلَّ عام. ومثل ذلك تمامًا بناء الأرصفة، وكم أتمنَّى أنْ تكون المخطَّطات المستحدَثة مجهَّزةً في بنيتها التحتيَّة بنفس الطريقة المذكورة قبل البيع.
ولو عُدنا بالذَّاكرة قليلًا إلى عدَّة عقود سابقة، وحسبنا الحجم الهائل من الهدر في المال، والوقت، والجهد؛ نتيجة لسوء التَّخطيط، وسوء الإدارة؛ لوجدنا مليارات الريالات ذهبت هدرًا؛ نتيجة لسياسة التَّرقيع والتَّعديل والتَّغيير فوق الأرض، وتحتها.. فهل يتمُّ إعادة النَّظر، وتصحيح ما أفسدته تلك الممارسارت العشوائيَّة؟ ومن يذهب إلى أوروبا -على سبيل المثال- يجد أنَّ تلك البنى التحتيَّة بلغت أعمارها مئات السِّنين، فَلِمَ لا نستفيد من تلك التجارب النَّاجعة؟ فبلادنا -والحمد لله- متسارعة الخُطَى في الجوانب التنمويَّة، ولا شكَّ بأنَّ البناء على ما وصل اليه الآخرُونَ يجعلنا نتجاوز من خلاله الزَّمن الذي كُنَّا نهدره على ذلك العَكِّ، ويقيني أنَّ هذا الأمر قد التفتت له قيادتُنا الشابَّة -رعاها الله، وسدد خُطاها- وما على المسؤولين إلَّا ملاحقة فكر هذه القيادة، التي أصبحت حديث العالم، حتى تكون البنى التحتية لمدننا الحبيبة مواكبة لما يحدث من بنى تطويرية على الأرض، وعليهم -أي المسؤولين- أنْ يضعوا أمامهم تلك الحضارات التي تزيد أعمارها عن آلاف السِّنين، ولا تزال قائمةً بكلِّ شموخٍ.


