المواقفُ اليوميَّة، مهما بدت عابرةً، قادرةٌ على كشف وجوهٍ خفيَّةٍ في البشر، وتعليمنا دروسًا عميقةً عن اللُّطف والقسوةِ، أحيانًا من حيث لا نتوقَّع. ومن خلال زاويتي الأسبوعيَّة «من النافذة»، أنقلُ موقفًا بسيطًا تعرَّضتُ له للمرَّة الأُولَى، لكنَّه ترك أثرًا لا يُنسَى. هذا الموقفُ جعلني أكثرَ حذرًا في تعاملِي مع البشر، وأقلَّ اندفاعًا بحُسن النيَّة، لكنَّه لم يسلبنِي إيماني بأنَّ الخيرَ لم يغِب، وأنَّ الإنسانيَّة لا تزال تظهر.
قبل توجُّهي إلى مهرجان البحر الأحمر السينمائيِّ، وفي يوم لا يحتمل التَّأخير، نسيتُ طباعةَ أوراقِ اجتماعٍ مهمٍّ. لم يتبقَّ سوى نصف ساعة، لا مكتبة قريبة، ولا وقت لديَّ للبحث، فدخلتُ المحلَّ المجاورَ للمقهى؛ بحثًا عن حلٍّ سريعٍ.
استقبلتنِي موظفةٌ لطيفةٌ، راقيةٌ في تعاملها. طلبتُ منها طباعة خمس عشرة صفحةً بالحبر الأسود، وأوضحتُ منذ البداية أنَّني سأدفعُ مقابل الخدمة، ثمَّ خرجتُ لإحضار بطاقةِ الصرَّاف. وعند عودتي، لاحظتُ بعض الصَّفحات المكرَّرة، لكنْ ما لفتني أكثر كان تغيُّر ملامح الموظَّفة؛ انطفأت إشراقتُها، وظهر على وجهها حزنٌ لم يكن موجودًا قبل دقائق. خلال حديث عابرٍ، أخبرتنِي أنَّها متخصِّصة في كتابة السيناريو. شجَّعتها بكلمات بسيطة، أعرف أثرها، فالكلمة الصَّادقة قد تكون كافيةً لتعيد الثقة لشخصٍ في بداياته.
وأمامها ظهر رجلٌ فجأةً، أخذَ يتفحَّص الأوراق بحدَّة، وسألني بلهجةٍ مستفزَّةٍ:
مَن أكون؟ ثم انفعل، وارتفع صوته، معتبرًا الحبر «مهدورًا». عرَّف نفسه بأنَّه المديرُ وصاحبُ المكان. لم يكن الموقف عن أوراقٍ، أو مالٍ، بل عن طريقة حديث كشفت الكثير، فآثرتُ إنهاء الموقف بهدوءٍ؛ احترامًا للموظَّفات، رغم استعجالِي. سلَّمنِي الأوراق، حدَّد المبلغَ، ثمَّ تراجع عن أخذهِ، وسألني إنْ كنت أساعد النَّاس. وحين أجبتُه بـ»نعم»، قال ببرود: «أنَا لا أحبُّ مساعدةَ أحدٍ»!
في تلك اللَّحظة، انتهت علاقتي بالمكان، رغم أنَّني كنتُ من عملائه الدَّائمِين.
خرجتُ أتساءل: كيف يمكن لكلِّ هذا القدر من القسوةِ أنْ يظهر في موقفٍ بسيطٍ كهذا؟ ما حدث لم يكنْ خلافًا على حبرٍ، أو مقابلٍ ماديٍّ، بل كان غيابًا للإنسانيَّة. هناك مواقف لا تؤلمنَا بحدِّتها، بل بما تكشفه من فراغٍ أخلاقيٍّ. اللُّطفُ ليس خيارًا إضافيًّا، ولا سلوكًا تجميليًّا، بل مسؤوليَّة أخلاقيَّة. فالتفاصيلُ الصغيرة، التي نظنُّها عابرةً، هي في الحقيقة المرآةُ الأصدقُ لما نحمله في داخلِنَا.
* من النافذة:
كلُّ يدٍ تمتدُّ للمساعدةِ، تفتحُ بابَ رزقٍ جديدًا لصاحبِهَا.


