Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. محمد رشاد بن حسن مفتي

كيف نصنع منتخبًا قويًا؟

A A
في كرة القدم الحديثة، لم يعد النَّجاح مرهونًا بامتلاك مجموعة من اللَّاعبِينَ الموهوبِينَ، بقدر ما أصبح مرتبطًا بوضوح الفكرة، وقوَّة المشروع. المنتخباتُ التي تنافس -اليوم- على أعلى المستويات، لا تصل إلى البطولات الكُبْرى وهي تبحث عن نفسها، بل تدخلها وهي تعرف ماذا تريد؟ وكيف تلعب؟ ولماذا وصلت؟. ومن هذا المنطلق يقفُ المنتخبُ السعوديُّ قبل كأس العالم 2026 أمام لحظة مفصليَّة، لا تختبر قدرته على تحقيق نتيجة عابرة، بقدر ما تكشف حقيقة المشروع القائم خلفه.

التجاربُ العالميَّة تؤكِّد أنَّ البطولات لا تُكسب في سنةٍ أو اثنتين. ألمانيا احتاجت إلى صدمةٍ قاسيةٍ في مطلع الألفيَّة؛ لتعيد بناء منظومتها كاملة، وفرنسا لم تحصد ثمار استثمارها في القاعدة، إلَّا بعد سنوات من العمل الصَّامت، فيما نجحتِ اليابانُ؛ لأنَّها تعاملت مع التطوُّر كمسار طويل لا كقفزةٍ مؤقَّتة. هذه النماذج تطرحُ سؤالًا مباشرًا على واقع الكرة السعوديَّة: هل يُنظر إلى مونديال 2026 كهدفٍ نهائيٍّ، أم كمرحلةٍ ضمن مشروعٍ أطولَ وأعمقَ؟ اللاعبُ السعوديُّ يملكُ الموهبةَ والجرأةَ الفنيَّة، لكنَّ الإشكاليَّة المزمنة تكمنُ في غياب الهويَّة الثابتة. تغير الأساليب، وتعدد الرؤى الفنية، جعلا المنتخب يتأرجح بين مدارس مختلفة، دون أنْ يستقر على شخصية واضحة داخل الملعب. في كرة القدم الحديثة، الهويَّة ليست ترفًا فكريًّا، بل هي أساسُ المنافسة. إسبانيا لم تُهزم لأنَّها فقدت الموهبة، بل عندما فقدت وضوحَ الفكرة، والمنتخبُ السعوديُّ لن يتمكَّن من مجاراة الكبار، ما لم يعرف أوَّلًا كيف يريد أنْ يلعب قبل أنْ يفكر في هويَّة خصومه.

أمَّا الاحتراف الخارجي، الذي يُطرح غالبًا كحل جاهز، فهو سلاح ذو حدَّين. التجارب الناجحة لم تعتمد على عدد اللَّاعبِينَ المحترفِينَ بقدر ما ركَّزت على جودة التجربة، وربطها بالمنتخب. اليابان مثال واضح على أنَّ الاحتراف ليس هدفًا بحدِّ ذاته، بل وسيلة لصناعة لاعبٍ أكثرَ وعيًا وانضباطًا. وفي الحالة السعوديَّة، يبقى التحدِّي الحقيقيُّ في تحويل التجارب الفرديَّة إلى مكسب جماعيٍّ ينعكس على أداء المنتخب، لا على مسيرة اللاعب فقط. ويبقى العاملُ الذهنيُّ أحدَ أكثرِ الجوانب حساسيَّة. التاريخ يثبت أنَّ منتخبات أقل إمكانات فنيَّة، استطاعت التفوُّق؛ لأنَّها امتلكت عقلية تنافسيَّة صلبة. كرواتيا لم تصبح قوَّةً عالميَّةً بسبب حجمها، أو دورياتها، بل لأنَّها زرعت الثقة في لاعبيها، وجعلتهم يلعبُون دون عقدة الأسماء الكبيرة. المنتخبُ السعوديُّ، رغم امتلاكه تجاربَ إيجابيَّة في كأس العالم، لا يزال بحاجة إلى ترسيخ هذه العقليَّة، عقليَّة اللعب بثقة لا بردَّة فعل، وبطموح، لا بخوف.

في النهاية، مونديال 2026 ليس موعدًا للحلم بقدر ما هو اختبار للفكرة. إمَّا أنْ يدخل المنتخبُ السعوديُّ البطولةَ بوصفهِ نتاجَ مشروع حقيقيٍّ يستلهم تجارب الناجحِينَ في العالم، أو يظل أسيرَ مشاركات متقطِّعة تحكمها الظروفُ. وفي كرة القدم، كما في غيرها، النتائج لا تأتي صدفةً، بل تُصنع قبل سنوات من صافرة البداية.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store