في لحظة سياسيَّة وأمنيَّة شديدة الحساسيَّة، جاء بيان مجلس الدفاع الوطنيِّ اليمنيِّ؛ ليشكِّل نقطة تحوُّل واضحة في مقاربة الدولة للأحداث الجارية في محافظتي حضرموت، والمهرة، وليضع حدًّا فاصلًا بين إدارة الخلافات السياسيَّة وبين حماية السيادة، وفرض هيبة الدولة.
فالاجتماع الطارئ الذي انعقد برئاسة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وبحضور أعضاء المجلس، وعدد من القيادات السياسيَّة والعسكريَّة، لم يكن اجتماعًا روتينيًّا، بل استجابة مباشرة لتطوُّرات ميدانيَّة وُصفت رسميًّا بأنَّها تمرُّد على مؤسسات الدولة الشرعيَّة، وخروج صريح على مسار التهدئة.
تحرُّكات القوات التابعة للمجلس الانتقاليِّ، خصوصًا في محافظة حضرموت، جاءت -وفق البيان- مخالِفةً بشكل مباشر لجهود الوساطة التي يقودها الأشقاءُ في المملكة العربيَّة السعوديَّة، ودولة الإمارات العربيَّة المتَّحدة، والتي تهدف إلى خفض التصعيد، وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، عبر انسحاب القوات من المحافظات الشرقيَّة، وتسليم المعسكرات لقوات درع الوطن والسلطات المحليَّة.
ولم يقتصر الأمر على تحرُّكات عسكريَّة، بل تطوُّر إلى هجوم مسلح في وادي نحب بمحافظة حضرموت، مثَّل تصعيدًا خطيرًا، وانتهاكًا جسيمًا بحقِّ المدنيِّين، إلى جانب انتهاكات أُخْرى طالت سكَّان حضرموت والمهرة، ما دفع الدولة إلى توصيف ما يجري بوصفه تهديدًا مباشرًا للأمن القوميِّ ووحدة القرار السياديِّ، لا مجرَّد خلاف سياسيٍّ قابل للاحتواء.
بيان مجلس الدفاع الوطنيِّ اكتسب ثقله من كونه خلاصة اجتماع سياديٍّ موسَّع، ضم مجلس القيادة الرئاسيِّ، والسلطتَين التشريعيَّة والاستشاريَّة، والقيادات العسكريَّة والأمنيَّة، وهيئة التشاور والمصالحة، والسلطات المحليَّة المعنِّية. وهذا الاتِّساع في التمثيل يعكس إدراكًا رسميًّا بأنَّ الأزمة تجاوزت حدود الشراكة السياسيَّة، ودخلت نطاق الخطر الوجوديِّ على فكرة الدولة نفسها.
اللَّافت أنَّ البيان لم يعلن الحرب، لكنَّه لم يستبعدها. فالإشارات الواضحة إلى "إجراءات وتدابير"، و"فرض هيبة الدولة"، و"المركز القانوني للدولة" تعني أنَّ كل الخيارات، بما فيها الأمنيَّة والعسكريَّة، باتت مطروحة ضمن إطار شرعيٍّ ودستوريٍّ، وبعد استنفاد التحذير السياسيِّ. إنَّها رسالة ردع محسوبة، لا دعوة مفتوحة للتصعيد.
في جوهره، حقَّق البيان ثلاث غايات مركزيَّة: أولها نقل الأزمة من خانة الخلاف السياسيِّ إلى خانة المساس بالنظام العام للدولة، وثانيها تحصين القرار السياديِّ من الطعن أو التشكيك، وثالثها تحميل المسؤوليَّة السياسيَّة والقانونيَّة بصورة جماعيَّة، بما يمنع تمييع القرار أو الالتفاف عليه.
الدولة اليمنيَّة، كما يعكس البيان، ما زالت متمسكةً بالشراكة الإقليميَّة، وتثمِّن جهود الوساطة، لكنَّها ترفض في الوقت ذاته أنْ تتحوَّل هذه الوساطات إلى غطاء لفرض الأمر الواقع بالقوَّة، أو لتعطيل منطق الدولة. إنَّها شراكة بلا وصاية، وضبط دون تفريط.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة بيان مجلس الدفاع الوطنيِّ كخطاب تهديد، بل كتوصيفٍ قانونيٍّ - سياديٍّ، يرسم الإطار الذي ستتحرَّك الدولة داخله، إذا استمر التصعيد. إنَّه إعلان واضح بأنَّ مرحلة إدارة التوازنات الهشَّة قد انتهت، وأنَّ حماية السيادة ووحدة القرار لم تعد قابلةً للتأجيلِ.


