Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. أيمن بدر كريّم

الشكوى إلى الله

A A
شكوى العبد إلى ربِّه في جوهرها من أصدق مظاهر الإيمان به، والاعتماد عليه وحده سبحانه، وليست تبرُّمًا من قضاء أو قدر، بل تستدعي الرَّحمة ولا تنازع الحكمة، وهي تَوجُّهٌ للقلب إلى طريق لا يعرف سواه، ولا يأمل في غيره، وإظهار لضعف المرء أمام عظمة الله، وإقرار بمدى قصور الحول والقوة الإنسانيَّة؛ أمام لطف الله وعطفه وكرمه وعنايته.

وبالرغم من بعض الارتياح الذي تُوفِّره «الفضفضة» لصديق أو قريب، إلَّا أنَّ الناس لا يمكنهم مساعدتك كما ترجو وتتأمَّل؛ فالبوح إليهم، وإنْ أراح لحظة، يُعرِّي القلب ويُثقله، فالنَّاس مشغولون بأوجاعهم، وقد يبدون لك التعاطف، وربما النصيحة، لكنَّهم لا ينفذون إلى عمق وجعك.

وبعد تعرية أسرارك، وافتضاح أحوالك، قد تحصل -إن كنت محظوظًا كفاية- على بعض التعاطف والتفهُّم، أو النصائح التي قد لا تقع في نفسك موقعًا حسنًا، وقد تُثير لديك مشاعر الغضب أو الحزن أو الندم، كونها نصائح مثاليَّة متعالية، أو غير عمليَّة، وهي قد تُخفِي قدرًا من التَّشفِّي والتَّأنيب.

قد نتشارك التجارب، لكن لا نتشارك المشاعر.. نتشارك الدِّين، لكن لا نتشارك الإيمان.. نتشارك المرض، لكن لا نتشارك الألم.. نتشارك الترفيه، لكن لا نتشارك المُتعة. إنَّ كل مَن حولك لا يخلو مِن عُقَد نفسيَّة، أو مشكلات اجتماعيَّة، أو هموم شخصيَّة، أو اضطرابات مزاجيَّة، أو أمراض جسديَّة، أو آلام روحيَّة، ومع ذلك، لا بأس بالاستعانة بالخلق بوصفهم أسبابًا، لا مصادر أمان أو فرج نهائيٍّ، بل باعتبارهم أدوات رحمة مُسخَّرة من الله، لا بدائل عن الله -جلَّ جلالُه-.

والتوجُّه إلى الله بالشكوى لا يُنافي الصبر على الابتلاء، ولا ينقض الرِّضا بقدر الله؛ فقد جمع نبيُّ الله يعقوب -عليهِ السَّلامُ- بين قوله: ﴿فصبرٌ جميلٌ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّيِ وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾، وإنَّ أعرف العارفين بالله، يشكو من نفسه إلى الله، لا من الله إلى أحد من الناس.

يقول العارف بالله، الدكتور (مصطفى محمود): «اللهُ، هو المحبوبُ وحده، على وجه الأصالة.. وما نُحبُّ في الآخرِين إلَّا تجلِّياته وأنواره.. فجمالُ الوجوهِ من نورهِ.. وحنانُ القلوبِ من حنانهِ.. فنحن لا نملك من أنفسنا شيئًا إلَّا بقدر ما يخلع علينا سيِّدنا ومولانا من أنوارهِ وأسمائِهِ».

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store