الاستكثارُ من خِلالِ المَنِّ، داءٌ يمسُّ جانبَ بعض النفوس، وهي صفةٌ ذميمةٌ نهى اللهُ -سبحانه وتعالى- عنها بقوله: (وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ)، وينطبقُ ذلك على كلِّ منَّان؛ لأنَّ المنَّة إنَّما تكون للهِ وحده فقط، لذلك صحَّح القرآنُ الكريمُ بعض أصحاب الفكر المنَّان بالهداية، الذين زكُّوا أنفسهم، بأنَّهم المبادرُون باتِّباع الإسلام، فقال: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ)، وكذلك وجَّه المُنفقِينَ إلى عدمِ أذية الفقراء بالمَنِّ بعد الصدقةِ، وذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ)، ومجَّد فعل مَن لا يَمنُّ بعد الإنفاق في قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
إنَّ عمق المعنى لقوله تعالى: (وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ) يذهب إلى كلِّ شؤون الحياة، بما يقوم به الإنسان من عمل أيًّا كان ذلك العمل، فيستكثر صاحبه بالمَنِّ على الله، فإنَّ ذلك أذى مذموم؛ لأنَّ الاستكثار لا يكون على مَن يملك الكثير من كل شيء، الذي هو الله -سبحانه وتعالى-، وهو من يعطي ويمنع، فلا منَّة لأحدٍ على الله؛ لذلك من أسمائه الحُسنى (المنَّان)، فالمَنُّ يقعُ أكثر شيءٍ من فئتين: أصحاب الإنفاق، وأصحاب الدعوة والعلم، فالمنفقُون بالمال، الذين يرون أنفسهم أنهم متفضلون في عطاياهم يقعون في المن، والدعاة والعباد والعلماء يقعون بالمن بتزكية أنفسهم بالهداية، أو استكثار عبادتهم، أو ذكر فضل علمهم، إنَّ منانة العلم كمنانة المال تمامًا، ونهى اللهُ الجميعَ عن هذا الفعل المشين، وينطبق ذلك على كلِّ منَّان فالمِنَّة لله فقط.
تناقش معي أحدُ الزِّملاء عن ما يجب أنْ يمنحه الأستاذ الجامعي للطالب من وقت، فقلتُ له يختلف من طالب إلى طالب تبعًا للتباين في قدراتهم في الفهم، قال: «هناك طلاب أعطيناهُم فوق ما يستحقُّون من الوقت والجهد، لكن ما ظهر فيهم في ردِّ المعروف»، فسألتُ نفسي: هل هذا يكونُ من المَنِّ أو لَا؟ الإجابةُ لديكُم.


