جاء بيان قيادة القوات المشتركة للتحالف العربيِّ بلغةٍ محسوبةٍ ودقيقةٍ، حمل في طيَّاته رسائل إعلاميَّة وسياسيَّة وأمنيَّة متعدِّدة، تتجاوز مجرَّد الإعلان عن تنفيذ عمليَّة عسكريَّة محدودة، لتؤسِّس لرواية متكاملة حول طبيعة الحدث، وسياقه القانونيِّ، ودلالاته الإقليميَّة، وحدود الموقف السعوديِّ من التطوُّرات الجارية في محافظة حضرموت، بوصفها إحدى أكثر الجبهات حساسيَّةً في المشهد اليمنيِّ.
أُولى هذه الرسائل تمحورت حول الإطار القانونيِّ الدوليِّ، حيث شدَّد البيان بوضوحٍ على أنَّ إدخال سفينتَين إماراتيَّتَين محمَّلتَين بالسِّلاح إلى ميناء المكلا، دون الحصول على التصاريح الرسميَّة من قيادة القوات المشتركة، يُعدُّ مخالفةً صريحةً لقرار مجلس الأمن رقم (2216)، الذي ينظِّم مسار التعامل مع السِّلاح في اليمن، ويؤكِّد حصريَّة المؤسَّسات الشرعيَّة في امتلاك واستخدام القوَّة. ولم تكن الإشارة إلى تعطيل أنظمة التتبُّع الخاصَّة بالسفينتَين تفصيلًا تقنيًّا عابرًا، بل رسالة مقصودة لتأكيد الطَّابع غير المشروع للعمليَّة، ووجود نيَّة مسبقة لتجاوز الرقابة الدوليَّة، وإخفاء مسار الشحن.
الرسالة الثانية في البيان، تعلَّقت بتوصيف طبيعة العمليَّة العسكريَّة ذاتها.
فقد حرصت قيادة القوات المشتركة على استخدام مصطلح «عمليَّة عسكريَّة محدودة»، مقرونًا بالتأكيد على استكمال توثيق الأدلَّة الماديَّة، وتطبيق قواعد الاشتباك، وضمان عدم وقوع أضرار جانبيَّة. هذا الخطاب يخاطبُ الرَّأي العام الدوليَّ قبل الإقليميِّ، ويؤكِّد التزام التحالف بالقانون الدوليِّ الإنسانيِّ، ويغلق الباب أمام أيِّ محاولات لتسييس العمليَّة، أو تصويرها كتصعيد غير محسوبٍ. أمَّا الرسالة الثالثة، فهي سياسيَّة بامتياز، حين ربط البيان تنفيذ العمليَّة بطلبٍ رسميٍّ من فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسيِّ اليمنيِّ، ما يعيد تثبيت مرجعيَّة الشرعيَّة، ويؤكِّد أنَّ التحرُّك العسكريَّ جاء في إطار دعم مؤسَّسات الدولة اليمنيَّة، وليس استجابةً لأجندات منفصلة، أو صراعات نفوذ داخليَّة. وفي سياق تشظِّي المشهد اليمنيِّ، تمثِّل هذه النقطة حجر زاوية في ضبط مسار الصِّراع، ومنع انزلاقه إلى فوضى السِّلاح المفتوح. الرسالة الرابعة، والأكثر حساسيَّة، تمثَّلت في ربط ما جرى مباشرةً بأمن المملكة الوطنيِّ. إذ أوضح البيانُ أنَّ دعم قوات المجلس الانتقاليِّ الجنوبيِّ بالسِّلاح والعربات القتاليَّة في محافظتَي حضرموت، والمهرة، يشكِّل تصعيدًا خطيرًا، لا سيَّما أنَّ المحافظتَين ترتبطَان بحدودٍ بريَّة مباشرة مع المملكة، تمتد لأكثر من 700 كيلومتر. وهنا ينتقل الحدث من كونه شأنًا يمنيًّا داخليًّا، إلى تهديدٍ مباشرٍ للاستقرارِ الإقليميِّ وأمن الحدود السعوديَّة.
كما عكس البيانُ رسالة ردع واضحة، مفادها أنَّ أيَّ محاولات لفرض أمر واقع عسكريٍّ في حضرموت، أو تغيير موازين القوى خارج إطار التفاهمات والوساطات القائمة، ستُواجه بحزمٍ، مع الحرص في الوقت ذاته على عدم الانزلاق إلى خطاب تصعيديٍّ أو اتِّهاميٍّ مفتوح. فقد حافظت الصِّياغة على قدرٍ عالٍ من الانضباط، مكتفية بعرض الوقائع وربطها بتداعياتها الأمنيَّة.
خلاصةُ القولِ، إنَّ بيان قيادة القوات المشتركة لم يكن بيانًا عسكريًّا تقليديًّا، بل رسالة سياسيَّة أمنيَّة متعدِّدة الأبعاد، وضعت حضرموت في صدارة المشهد، وأكَّدت أنَّ استقرار هذه المحافظة ليس ملفًّا محليًّا معزولًا، بل جزء أصيل من معادلة الأمن الوطنيِّ للمملكة، واستقرار المنطقة، وهي رسالة مفادها أنَّ الأمن لا يدار عبر شحن السلاح، بل عبر احترام الشرعية، والقانون الدولي، وتغليب منطق الدولة على منطق المليشيا.
حضرموت في قلب الرسائل الصلبة لبيان قيادة القوات المشتركة
تاريخ النشر: 30 ديسمبر 2025 23:38 KSA
A A


