Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. محمد سالم الغامدي

مطالب النمو الحضاري المستدام

A A
حتمًا إنَّ دمج العلم بالإدارة يُسهم في تسارع الخطوات التنمويَّة في كل دولة على مستوى العالم؛ لذا نراها تسعى لأنْ تكون في مقدِّمة الدول تنمويًّا وهذا حقٌّ متاحٌ لكلِّ الدول، ولكن هذا بالطبع له متطلَّبات قد تتحقَّق بدرجة كبيرة، ولكن لا يتم استثمارها على الوجه المطلوب، وهو ما ينطبق تحديدًا على العديد من البلدان العربيَّة، حيث يتحقَّق النمو الحضاريُّ على قدر ما تحقَّق، وقد لا يتحقَّق. وفي ضوء تلك الاعتبارات المذكورة، تتحدَّد درجة النموِّ الحضاريِّ وقيمته، ولعلَّ المرحلة الحاليَّة التي تعيشها بلادنا الحبيبة، في ظلِّ قيادتها الرشيدة الشابَّة الطَّموحة، يتَّضح هذا الأمر بجلاء، فكانت النتيجة تسارع غير مسبوق في النموِّ الحضاريِّ، شهد به القريبُ والبعيدُ حتَّى أصبح هذا الأنموذج تجربةً يُحتذَى بها.

ولعلِّي هنا أستعرضُ أهمَّ تلك المتطلَّبات، وأترك لكلِّ دولةٍ تحديد درجة النموِّ الذي وصلت إليه، ومدى نجاحه واستمراريَّته.. ولنبدأ أوَّلًا بذكر أهم تلك المتطلَّبات العلميَّة:

أوَّلًا: قيادة أي دولة وتصرفاتها هي الأهم، بحيث تضع كلَّ شيءٍ في مكانه المستحق، وتُحسن استثمار الثَّروة البشريَّة في بلدها، لكي يصبح الفردُ فيها ينافح عن كلِّ عمل موكل إليه، سواء كان عملًا مؤسَّسيًّا، أو فرديًّا، وهنا تبرز حكمة القائد وحنكته، في اختيار العضو والمكان والزَّمان، ثمَّ تبرز حكمته وحنكته في حُسن تدبير الأمور لكلِّ شخصٍ وكلِّ فئةٍ حسب ما أُوكل إليه من الأنظمة، سواء فيما يخصُّ الدستور العام للدولة، أو نظام المؤسَّسة، وأنْ تبرز حكمته وحنكته أيضًا في مقدرته على نسج سُبل التحكُّم في علاقاته مع الدول الأُخرى، حسب احتياج وطنه، وهذا الأمر أصبح ملموسًا بدرجةٍ لافتةٍ لدى قيادتنا الشابَّة - رعاها الله، وسدَّد خُطاها-.

ثانيًا: الشورى، وهذا أمرٌ في غاية الأهميَّة؛ لذا كان أمرًا ربانيًّا قبل أنْ يكون مطلبًا تنمويًّا بشريًّا، فقال تعالى: (وَشَاوِرْهُم فِي الأَمْرِ)، فالمشورة تجعل القرار ناضجًا قويًّا مُستدامًا، بالإضافة إلى تضمُّنه الشراكة في المحاسبة عند الفشل.. وهذا ما دأبت عليه قيادتنا الرشيدة منذ الأزل.

ثانيًا: الخطَّة الاستراتيجيَّة التي توضع للبلاد من قِبَل قادتها، سواء كانت بعيدة أو متوسطة أو قصيرة المدى، ومدى دقَّة ووضوح وصدق تلك الخطَّة، ومدى مواءمتها لحجم الموارد الماليَّة والطبيعيَّة المتوفِّرة، ومدى حسابها لحجم الطوارئ المحتمل وقوعها إبان مدَّة الخطَّة، وهنا تبرز حكمة قيادة الدول وحنكتها، من خلال حُسن المتابعة في الإعداد والتنفيذ، وحُسن الاختيار للقادة.

ثالثًا: الموارد، فكلُّ بلد في العالم لديه موارد، وإنْ اختلفت منابعها وحجمها ومدتها، وهنا تبرز قيمة الموازنات والخطط الاستراتيجيَّة لتفعيل تلك الموارد، وحُسن استثمارها، وفي هذا المجال تحديدًا يبرز المجال الصناعي والتجاري والزراعي والمعدني كقيمةٍ مُستدامةٍ، من خلال استثمار تلك الموارد الاستثمار الأمثل في بناء المصانع داخل البلدان، ودعمها، وتيسير سُبل الموارد التجاريَّة لشعبها وتيسيرها.

رابعًا: الثروة البشريَّة، وهنا يتحدَّد دينمو الاقتصاد المحليِّ لكل بلد، ومدى حراكه، حيث نعلم أنَّ الحراك الشعبي لأبناء أي بلد يدفع بالاقتصاد دومًا إلى الأعلى؛ لعدم وجود هدرٍ ماليٍّ، وعدم وجود هجرة للمال إلى الخارج.

خامساً: التعليمُ ثمَّ التعليمُ ثمَّ التعليمُ، فهو المنطلق الحقيقي لبناء الإنسان فكرًا ومهارةً وجسدًا، وبناء المكان جهدًا وحبًّا وتضحيةً؛ لذا أنا على يقين تام أنَّ أيَّ دولة لن تُحقِّق النموَّ الحقيقيَّ والمُستدام إلَّا بعد جعل المؤسَّسة التعليميَّة بكافة عناصرها تطلق عنان الفكر من خلال البرامج والمعامل ومراكز التدريب قبل الحفظ والتلقين الذي سيذهب حتمًا بعد حين، فمن مؤسسات التعليم سوف يكون المعلم الناجح، والمهندس المتقن، والطبيب المبدع، والعسكري القوي، والقائد الفذ، وهنا يكون بناء الإنسان الذي سينجح في بناء المكان.

هذه خلاصة لأبرز المطالب التنمويَّة الناجحة والمُستدامة للدول، التي تسهم في التسارع التنمويِّ لها، حتَّى يتمَّ وصولها إلى مقدِّمة الرَّكب العالميِّ، وهذا لا يعني أنَّها المطالب الوحيدة، بل يتبعها مطالب أُخرى، لكنَّها أقل أهميَّة منها.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store