تصلني، قضايا ورسائل لا يمكن تجاوزها، أو اعتبارها حالات فرديَّة معزولة. شكاوى من قرَّاء، وأصدقاء، وأطراف داخل المجتمع، تتقاطع جميعها عند نقطة واحدة: أُسر تعيشُ حالةَ صراعٍ دائمٍ، لا عنوان له سوى السَّيطرةِ، ولا ضحيَّة له سوى الأبناءِ.
هذه القضايا لا تُطرح بوصفها فضفضةً اجتماعيَّةً، بل كوقائعَ مؤلمةٍ، تتكرَّر بصيغ مختلفة، وتكشف خللًا عميقًا في فهم العلاقة بين الزَّوجين، وحدود السُّلطة داخل الأُسرة، ومفهوم الشَّراكة في تربية الأبناء.
في عدد غير قليل من هذه الحالات، يبدأ الخلل من تمركز أحد الطَّرفين حول ذاته، واعتقاده بأنَّه الأجدر باتِّخاذ القرار، والأحق بتحديد المصير، والأقدر على تقييم الصَّواب والخطأ؟! ومع الوقت، تتحوَّل الأبوَّة أو الأُمومة من مسؤوليَّة مشتركة إلى صراع صلاحيَّات، تُستخدم فيه المبرِّرات الأخلاقيَّة أحيانًا، والاتِّهامات المتبادلة أحيانًا أُخْرى.
لا يمكن، ولا يجب، تبرير تسلُّط الزَّوج على زوجته تحت أيِّ ذريعة، ولا التَّساهل مع العنف اللَّفظيِّ أو الجسديِّ، فذلك خروجٌ صريحٌ عن معنى الأُسرة، ومسؤوليَّة الرَّجل، وحدود القوامة، وفي مثل هذه الحالات، حين تنهار العدالة، تُضطَّر الزَّوجة مضطرةً لا متسلِّطةً إلى لعب دور الحكمة والاحتواء؛ حمايةً للأبناء قبل أيِّ شيءٍ آخرَ.
لكن في المقابل، هذا الواقع القاسي، لا يمنح أيَّ طرف شيكًا مفتوحًا لإقصاء الطَّرف الآخر بالكامل. فانتقال الزَّوجة من موقع الضَّحية إلى موقع الإقصاء الكامل، أو انتقال الرَّجل من موقع المسؤوليَّة إلى موقع الاستحواذ، يُعيد إنتاج الأزمة بصيغةٍ مختلفةٍ، ويُبقي الخللُ قائمًا، وإنْ تغيَّرتِ الأدوارُ.
الأبناءُ في هذه المعادلة همُ الخاسر الثابت، لا تعنيهم تفاصيل الصِّراع، ولا سردِّيات التبرير، ولا حسابات الانتقام المؤجَّل، ما يختبرونه فعليًّا هو التشتُّت، وغياب الاستقرار، والانقسام العاطفي القسري، وحتَّى حين يظهر الانحياز لطرفٍ دون آخرَ، يبقى الدَّاخل مثقلًا بسؤال لا يُقال: لماذا اضطررت للاختيار أصلًا؟
الخللُ لا يكمن في وجود الخلاف، بل في إدارته بعقليَّة أُحاديَّة حين يتحوَّل الرَّأي إلى حقيقة مطلقة، ويُختزل الاختلاف في سوء نيَّة، ويُعامل الطرف الآخر بوصفه خطرًا يجب تحييده. عند هذه النقطة، لا يعود الحوار خيارًا، بل يُنظر إليه كتنازلٍ، ويُستبدل بهِ الفرض والإقصاء.
الكثيرُون يتحدَّثُون عن القيم، وعن التَّربية، وعن مصلحة الأبناء، ثمَّ يسقطُون عند أول اختبار حقيقيٍّ داخل البيت، تُرفع أمنيات كُبرى، لكن تُمارس سلوكيَّات تناقضها، يُطلب التَّفهم، لكن لا يُمنح، يُطالب بالإنصات، لكن لا يُمارس.
الحوار داخل الأسرة ليس ترفًا، ولا ضعفًا، ولا تنازلًا عن القناعة، بل آليَّة تصحيح هو الاعتراف بأنَّ الرَّأي الواحد لا يبني بيتًا، وأنَّ الاستقرار لا يولد من الغلبة، وأنَّ الأبناء لا يُربَّون في بيئة انتصار وهزيمة.
* نقطة تحت السطر:
الأُسرةُ لا تحتاجُ إلى طرفٍ منتصرٍ، بل إلى وعيٍ مشتركٍ. وكلُّ قرارٍ يُتَّخذ باسمِ الأبناءِ دونَ أنَ يضعَ استقرارَهم النفسيَّ أوَّلًا، سيعودُ أثرُه عليهِم لاحقًا... مُضاعفًا.


