تُعدُّ المتاحف العلميَّة والثقافيَّة من أبرز أدوات حفظ الذاكرة الإنسانيَّة والبيئيَّة، فهي تكشف مسارات التفاعل بين الطبيعة والإنسان عبر العصور. وإذا كانت المدن تتميَّز بهوياتها التاريخيَّة والطبيعيَّة، فإنَّ المدينة المنوَّرة تنفرد بخصوصيَّة جيولوجيَّة فريدة، إذ تحتضنها حرَّتان، أشار إليهما النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بقوله: «إِنِّي أُرِيتُ دارَ هجرَتَكُم ذاتَ نخلٍ بينَ لابَّتَينِ».
يقع نطاق المدينة في منطقة غنيَّة بالنشاط البركانيِّ القديم، أبرز شواهده ثوران عام 1256م (654هـ) الذي امتدَّت آثاره إلى أطراف حدود المدينة. وقد خلَّف تدفُّقات حِمم متجمِّدة، وصخورًا بازلتيَّة سوداء، ما جعل المنطقة مختبرًا طبيعيًّا لدراسة البراكين. ومن شأن متحف بركاني متخصص أنْ يتيح للزوَّار الاطِّلاع على عيِّنات من هذه الصخور، ويستخدم الوسائط الرقميَّة التفاعليَّة لشرح تطوُّر النشاط البركانيِّ، وربطه بالجغرافيا المحليَّة.
ولم تكن الحرَّات مجرَّد خلفيَّة طبيعيَّة، بل أسهمت مباشرة في صناعة التاريخ. فقد شكَّلت خطَّ دفاعٍ طبيعيًّا في غزوة الخندق سنة 5هـ، الذي امتدَّ خندقه ما بين لابَّتَين، وأيضًا لعبت طبيعتها الوعرة دورًا تاريخيًّا، في معركة الحرَّة سنة 63هـ.، كما دخلت حجارتها السوداء في بناء المساجد، والبيوت، والآطام، مانحةً العمارة المحليَّة طابعًا فريدًا ما زالت شواهده قائمةً حتَّى اليوم. وعلى صعيد آخر، استغلَّ السكَّان الفجوات الخصبة بين الحِمم للزراعة، فيما تحوَّلت المرتفعات الصخريَّة حول الحرَّة إلى مواقع للرَّصد والتَّحصين.
وترتبط بعض المعالم البركانيَّة بمرويَّات شعبيَّة وتاريخيَّة، من أبرزها جبل مَيْطان في حرَّة رهط. وقد قِيل إنَّه تمَّ اقتناؤه من الأغوات في القرن الثاني عشر الهجري؛ ليكون مأمنًا لهم في إحدى الفتن، فأضفى بُعدًا تاريخيًّا إلى جانب قيمته الطبيعيَّة، وهو مع بركان ٦٥٤ هجري، أو جبل الملساء، ضمن أهم معالم الحرَّة.
ويمثِّل مشروع المتحف البركانيِّ امتدادًا طبيعيًّا لأهداف مدينة المعرفة في المدينة المنوَّرة، إذ يسهم في نشر الثقافة والتاريخ والعلوم بين الزوَّار. ويوفِّر المتحف منصَّةً تعليميَّةً حيَّةً تربط بين الجيولوجيا المحليَّة، والأحداث التاريخيَّة، وتتيح للطلاب والباحثين تجربة تفاعليَّة لفهم العلاقة بين الطبيعة والإنسان عبر العصور، بما يعزِّز رسالة مدينة المعرفة في رفع الوعي، وإثراء المحتوى العلميِّ والتعليميِّ والثقافيِّ للمجتمع.
وعالميًّا، تمثِّل تجربة مركز الزوَّار في حديقة تيمانفايا بجزيرة لانزاروتي الإسبانيَّة نموذجًا ملهمًا، إذ أُنشئ في قلب الحمم البركانيَّة؛ ليحاكي الطبيعة، دون أنْ يخلَّ بمشهدها البصريِّ، ويتيح معروضات وتجارب حسيَّة تحاكي الانفجارات بالصوت والضوء والدخان. استلهام هذا النموذج سيتيح للمدينة المنوَّرة إقامة متحف ينسجم مع تضاريسها، ويجعل المبنى ذاته قطعةً من الحمم أعيد تشكيلها في قالب معماريٍّ معاصر.
إن مشروع المتحف البركاني ليس مجرد صرح توثيقي، بل استثمار في الهوية المحلية، وخطوة لإبراز فرادة المكان ضمن إطار عالمي، ليصبح جزءًا من منظومة المدينة المنورة ومتاحفها، ويحوِّل الإرث الجيولوجي والتاريخي للمدينة إلى تجربة تعليميَّة وثقافيَّة حيَّة تستقطب الباحثين والزوَّار معًا.
التكامل بين الأرض والتاريخ: المتحف البركاني بالمدينة نموذجًا
تاريخ النشر: 31 ديسمبر 2025 21:30 KSA
A A


