في خضمِّ التَّصعيد الذي شهدته محافظة حضرموت، برز الموقفُ السعوديُّ بوصفه العامل الأكثر اتِّزانًا في مقاربة الأزمة، إذ انطلقت المملكة العربيَّة السعوديَّة منذ بدايتها من منطلقٍ واضحٍ، يقوم على أولويَّة الحوار، وتجنُّب الانزلاق إلى مواجهةٍ عسكريَّةٍ جديدةٍ، من شأنها مضاعفة معاناة اليمنيِّينَ، وفتح جبهات صراع إضافيَّة، في وقت تحتاج فيه البلادُ إلى التَّهدئة، وإعادة ترتيب الأولويَّات الوطنيَّة.
السعوديَّة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الملفَّات اليمنيَّة المعقَّدة، أكَّدت أنَّ القضيَّة الجنوبيَّة قضيَّة عادلة لا يمكن تجاوزها، أو القفز عليها في أيِّ تسويةٍ سياسيَّةٍ مقبلة، باعتبارها جزءًا أصيلًا من مُخرجات العمليَّة السياسيَّة اليمنيَّة. غير أنَّ هذا التأكيد جاء مقرونًا بمبدأ جوهريٍّ، مفاده أنَّ القضيَّة الجنوبيَّة هي قضيَّة الشَّعب الجنوبيِّ بجميع مكوِّناته، وليست حكرًا على فصيلٍ أو قيادةٍ بعينها، وأنَّ حلَّها لا يكون عبر فرض الأمر الواقع، أو القرارات الأُحاديَّة، بل من خلال التوافق، والوفاء بالالتزامات، وبناء الثِّقة بين أبناء اليمن كافَّة.
وفي هذا السياق، حرصت الرياض منذ أسابيع على بلورة آليَّة عمليَّة لاحتواء الأزمة في حضرموت، شملت إنهاء التَّصعيد، وخروج قوات المجلس الانتقاليِّ من المعسكرات، وتسليمها لقوات «درع الوطن»، بما يحفظ أمن المحافظة، ويصون خصوصيَّتها الاجتماعيَّة والسياسيَّة. إلَّا أنَّ هذه الجهود قُوبلت بتعنُّتٍ واضحٍ من رئيس المجلس الانتقاليِّ الجنوبيِّ عيدروس الزبيدي، الذي بدا وكأنَّه يتعمَّد إفشال أيِّ مسارٍ يؤدِّي إلى التَّهدئة أو التَّسوية.
وتجلَّى هذا التعنُّت بشكل صارخٍ في رفضه إصدار تصريح لطائرة تقلُّ وفدًا سعوديًّا رسميًّا في الأوَّل من يناير 2026، رغم الاتفاق المُسبق على الزِّيارة؛ بهدف بحث مخارج سياسيَّة تخدم الجميع، وتحقِّق المصلحة العامَّة. وهو موقفٌ لم يُقرَأ إلَّا باعتباره مؤشِّرًا على إصرار متعمَّد على تعطيل الحلول، وقطع قنوات التَّواصل، والتَّصعيد السياسيِّ والإعلاميِّ بدل احتواء الأزمة.
الأخطر من ذلك أنَّ الزبيدي مضى في اتِّخاذ قرارات أُحادية تتناقضُ مع موقعه السياسيِّ كعضوٍّ في مجلس القيادة الرئاسيِّ، كان أبرزها قيادته تحرُّكات عسكريَّة باتِّجاه حضرموت والمهرة، وما رافقها من انتهاكات أمنيَّة وترويع للمدنيِّين، وسقوط قتلى وجرحى من أبناء حضرموت. كما أصدر توجيهاتٍ مباشرةً بإغلاق حركة الطَّيران في مطار عدن، في سابقةٍ خطيرةٍ ألحقت ضررًا مباشرًا بالمواطنِينَ، وقوَّضت جهود التَّنسيق السياسيِّ والعسكريِّ، وكشفت بوضوحٍ تغليب المصالح الشخصيَّة والسياسيَّة على المصلحة الوطنيَّة.
هذه الممارسات لا تعكس فقط إخلالًا بالمسؤوليَّات الوطنيَّة، بل تُظهر سعيًا لاستغلال القضيَّة الجنوبيَّة العادلة، والمزايدة بها لتحقيق مكاسب شخصيَّة، على حساب المطالب الحقيقيَّة لأبناء الجنوب، وما تحقَّق لهم من مكاسب عبر مخرجات الحوار الوطنيِّ، أو اتِّفاق الرِّياض، أو قرار نقل السُّلطة عام 2022.
في المقابل، تؤكِّد المعطيات الميدانيَّة أنَّ أبناء حضرموت عبَّروا بوضوحٍ عن رفضهم وجود قوات المجلس الانتقاليِّ في محافظتهم، وطالبوا بخروجها؛ حفاظًا على أمن واستقرار منطقتهم، ورفضًا لجرِّها إلى صراعات لا تخدم مصالحهم، ولا تعبِّر عن إرادتهم.
ورغم هذا المشهد المعقد، لا يزال الأمل قائمًا في العقلاء داخل المجلس الانتقالي الجنوبي، لتغليب صوت الحكمة ولغة العقل، والانحياز إلى تطلعات اليمنيين في السلام، ونقل البلاد من دوامة النزاعات إلى أفق الاستقرار والأمن والازدهار. فالقضيَّة الجنوبيَّة، بعدالتها وعمقها، تستحقُّ معالجةً مسؤولةً، لا أنْ تُختزل في مغامرات فرديَّة، أو رهانات خاسرة تزيد المشهد تعقيدًا، وتوسِّع الفجوة مع الأشقاء، وفي مقدِّمتهم المملكة التي أثبتت، مرَّة أُخْرى، أنَّها الطَّرف الأكثر حرصًا على اليمن، ووحدته واستقراره.
بين حكمة الرياض وتعنت الزبيدي: حضرموت تختار الدولة لا المغامرة
تاريخ النشر: 03 يناير 2026 22:52 KSA
A A


