تمثل القيادة الإدارية في المؤسسات الحكومية حجر الأساس في رسم ثقافة العمل، وتحديد مستوى الأداء، وبناء جسور الثقة مع المواطنين. فالقائد ليس مجرد موقع تنظيمي، بل هو العنوان الأبرز لنهج الإدارة، والقدوة التي تنعكس ممارساتها على منسوبيها، وعلى صورة الجهة لدى المجتمع.
وفي الوقت الذي تشهد فيه المملكة العربية السعودية تطورًا متسارعًا في منظومة الخدمات الحكومية، وارتفاعًا ملحوظًا في معايير الجودة والاحترافية الإدارية، لا تزال بعض الإدارات تعاني من فجوة في التواصل مع المواطنين، وصعوبة الوصول إلى متخذي القرار، وكأن الإجراءات الاحترازية التي فرضتها جائحة كورونا ما زالت تُمارَس بشكل غير مبرر، بما يخلق حواجز نفسية وإدارية بين المواطن والمسؤول.
غير أن الصورة في المدينة المنورة تختلف في كثير من جوانبها، حيث يبرز نموذج قيادي مُشرِّف تُمثِّله إمارة المنطقة بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان، الذي رسّخ مبدأ القرب من المواطن، من خلال فتح الأبواب، وتخصيص أوقات ثابتة لاستقبال الأهالي، والاستماع إلى مطالبهم، ومتابعة شؤونهم، وهو ما انعكس إيجابًا على أداء عدد من الجهات الحكومية بالمنطقة.
وفي إطار هذه الروح الإدارية الإيجابية، جاءت تجربتي الشخصية مع إدارة مرور المدينة المنورة، حين راجعت الإدارة في معاملة تخصّني. ورغم توفر خيارات أخرى، آثرت التوجه مباشرة إلى رأس الهرم الإداري، مدير مرور المدينة العقيد فيصل الدوسري، في خطوة هدفت إلى الوقوف على واقع الممارسة الإدارية عن قرب.
المشهد كان لافتًا منذ اللحظة الأولى؛ باب المكتب مفتوح بلا حواجز تنظيمية معقدة، ولا مكاتب وسيطة، واستقبال مباشر يتسم بالهدوء والاحترافية. أسلوب يعكس ثقة المسؤول في موقعه، وإدراكه لمسؤولياته تجاه المواطنين. وحين أبديت استغرابي من هذا النهج، جاء الرد مختصرًا وواضحًا: «هذا عملي، وخدمة الجميع هي جوهر مهمتي».
هذه الممارسة لم تكن حالة فردية، بل امتدادًا لمدرسة أمنية راسخة، إذ يُعد العقيد فيصل الدوسري من الكفاءات التي تتلمذت على يد مدير الأمن العام الفريق أول محمد بن عبدالله البسامي، وعمل معه في مواقع ميدانية متعددة، لا سيما في مواسم الحج، حيث تتجلى أعلى معايير الانضباط، والعمل الميداني المنظم، واحترام الإنسان قبل تطبيق الأنظمة.
إن ما يقدمه رجال الأمن في مختلف القطاعات لا يقتصر على تنفيذ الأنظمة، بل هو أداء مهني متكامل يقوم على الموازنة بين الحزم والإنسانية، وبين تطبيق النظام وتقدير المواطن، بما يعزز الثقة المجتمعية، ويرسخ مفهوم الأمن الشامل بوصفه شراكة بين المواطن والمؤسسة.
حفظ الله الوطن، ووفق قيادته، وحفظ رجال أمنه، الذين يثبتون كل يوم أن القيادة مسؤولية، وأن خدمة الإنسان هي جوهر العمل العام.


