أتابع باهتمامٍ ما يطرحه الزميل أ. د. عصام يحيى الفيلالي من أفكار ورؤى ريادية في مقالاته، التي تُركِّز على الاقتصاد المعرفي وتعزيز التنافسية، واحتضان المواهب وتنميتها، وتصب جميعها في بوتقة الحراك التنموي.
ويعد الدكتور عصام الفيلالي من النماذج المشرفة للأستاذ الجامعي الأكاديمي، الذي جمع بين العلم والخبرات والبحث العلمي، فضلاً عما حباه الله من الأدب والخُلق الرفيع الممزوجة بالإنسانية عالية المستوى.
من تلك الأفكار؛ دعوته إلى رسم خارطة طريق وطنية لتعزيز تنافسية المواهب واستبقائها في القطاع الخاص حتى عام 2030م؛ استناداً إلى مؤشر التنافسية العالمية للمواهب (جي تي سي آي)، الذي يُقيّم قدرة الدول على جذب وتطوير المواهب، وإثراء مساهمتها في الابتكار والنمو الاقتصادي.
ولأن المواهب الوطنية تُمثِّل ركيزة لتحقيق رؤية المملكة 2030، يرى الكاتب أن الحاجة ماسة لخريطة طريق تُعزِّز تنافسية المواهب واستبقائها في القطاع الخاص حتى العام 2030، وهي خريطة تتكون من إحدى عشرة مرحلة، وتمثل رؤية إستراتيجية تدعم تطلعات المملكة إلى تحقيق الصدارة العالمية في تنافسية المواهب.
ولعلنا نضيف إلى ما طرحه الكاتب؛ أهمية الاستفادة من التجارب العالمية في هذا المجال، كتجربة سنغافورة التي حققت المركز الأول في مؤشر تنافسية المواهب العالمية لعام 2025، بفضل أنظمتها التعليمية القوية ونهجها الاستباقي في الحفاظ على قوة عاملة قادرة على التكيف وجاهزة للابتكار؛ في عصر الذكاء الاصطناعي، والثورة الصناعية الرابعة.
فمثل هذه التجارب تُعزِّز جهود المملكة التي تُرسِّخ موقعها كإحدى أبرز الدول أداءً في مجال تنمية المواهب على مستوى المنطقة، مستفيدة من بيئة تنظيمية قوية تعززها كفاءة حكومية عالية، ومستويات متدنية للفساد، إلى جانب قوة السوق السعودي الذي يعد أحد الأسواق الأكثر تنافسية.
ومن المواضيع المتميزة التي تناولها الدكتور عصام الفيلالي مؤخراً؛ موضوع رأس المال الجريء والأوقاف الجامعية، وأهميتهما في تحويل الأبحاث والاختراعات إلى شركات ومنتجات ذات قيمة اقتصادية تدعم رؤية المملكة 2030.
فرأس المال الجريء - كما يرى الكاتب- هو الوقود الخاص لعبور «وادي الموت»، وهو المسافة بين المختبر والسوق، والانتقال بالمخرجات المعرفية إلى منتجات منافسة، بما يدعم الوظائف عالية القيمة، ويُنوِّع الاقتصاد ويجذب الاستثمار الأجنبي.
أما الأوقاف الجامعية، فهي ليست مجرد مصادر تمويل، بل صناديق استثمارية داخلية تدعم المشاريع في مراحلها الأولى قبل وصولها إلى صناديق رأس المال الجريء.
ولعل ما استشهد به الدكتور الفيلالي من نماذج محلية وعالمية؛ يؤكد أهمية هذا الطرح، فجامعة الملك عبدالله تدير أوقافها صندوقاً استثمارياً بقيمة 500 مليون دولار، استثمر في شركتي «آيريس» و»رد سي فارمز»، مما ساهم في تحويلهما إلى شركات تجارية ناجحة.
وعلى المستوى العالمي، يبرز نموذج جوجل التي بدأت كمشروع بحثي في ستانفورد؛ بعد أن حصلت على 25 مليون دولار من (سيكويا كابيتال)، لتصبح اليوم شركة بقيمة تريليون دولار، وكذلك (تيسلا) التي انطلقت من بطارية أكاديمية بتمويل 7 ملايين دولار، لتصل إيراداتها اليوم إلى 100 مليار دولار.
إن رأس المال الجريء مدعوماً بأوقاف الجامعات وشركاتها غير الربحية؛ يُمثِّل جسراً لتحويل المعرفة إلى ثروة وطنية، تساهم في دفع عجلة النمو والازدهار، وتحقيق التنمية المستدامة. فهل تتضافر جهودنا وفق رؤية تكاملية لتعزيز هذا التوجه في جميع الجامعات ومراكز الأبحاث؟.


