Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. علي آل شرمة

موقف سعودي راسخ.. داعم لليمن

A A
لم تُضيِّع المملكةُ الوقتَ، وهي ترى المخطط الخطير الذي كان يستهدفُ جنوب اليمن، ولم تقف مكتوفةَ الأيدي أمام محاولات قوات المجلس الانتقاليِّ فرض واقع جديد على محافظتَي حضرموت والمهرة، وتعمل صراحةً على فصل جنوب اليمن، وضم هاتين المحافظتَين للدولة الجديدة المزعومة. وبعد أنْ طالبت الرياض كثيرًا من كافة الفاعلين والمتسبِّبين في الأزمة بالتوقف عن تأجيج الأوضاع، وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، ولم تجد آذانًا صاغيةً من قيادة المجلس الانتقاليِّ، التي أساءت تقدير الموقف، وانساقت وراء حسابات خاطئة، عندها تحرَّكت قوات التحالف العربي استجابةً لدعوة رسميَّة من رئيس الحكومة الشرعيَّة رشاد العليمي.

كان التحرُّك السعوديُّ حاسمًا وحازمًا بما يكفي لإعادة الأمور إلى نصابها في وقت قياسيٍّ ووجيز، وأرغم قوات المجلس الانتقاليِّ على التخلِّي عن مخططاته غير الشرعيَّة. ومع أنَّه كان بمقدور المملكة أنْ تُوجِّه صفعات إضافيَّة حاسمة ومؤلمة لقوات المجلس الانتقاليِّ، إلَّا أنَّها لم تفعل ذلك حرصًا منها على عدم التصعيد، ورغبةً في حقن دماء اليمنيِّين وإنهاء الأزمة بأقل الخسائر.

فالمملكة لا تسعى للحصول على مكاسب خاصَّة، ولا تريد استغلال الموقف، ولم يكن هذا أسلوب تعاملها في يومٍ من الأيام، بل أبدت حرصًا مستمرًّا على مصلحة الشعب اليمنيِّ، وأكَّدت مرارًا وتكرارًا قبولها بكل خياراتهم التي يرتضُونها ما دامت قد تمت في إطار قانونيٍّ وفق ما هو متعارف عليه قانونيًّا.

لكنَّها بطبيعة الحال لن ترضى بأيِّ عبث على حدودها، أو المس بأمنها القومي، فمحافظة حضرموت تشارك المملكة في حدود تمتد لمسافة 700 كيلومتر، ناهيك عن التداخل الكبير والتاريخي بين الجانبين، والارتباط بينهما في الدِّين الواحد، واللُّغة المشتركة، والتَّاريخ، وروابط القُربى، وصِلَة الرَّحم، والمُصاهرة.

فالروابط التي تجمع بين الشَّعبين الشقيقَين قلَّ أنْ يوجد مثيلها بين شعبين آخرين على وجه الأرض، فهي علاقات ضاربة بجذورها في القِدم. وظلَّت تلك العلاقة المتفرِّدة تزداد رسوخًا يومًا إثر يومٍ، رغم تعدد الأنظمة السياسيَّة في اليمن، وتغيُّر الحكومات؛ لأنَّها في الأصل علاقة عفويَّة وطبيعيَّة نشأت بين شعبين.

من هذه الرُّؤية الإستراتيجيَّة تنطلق السعوديَّة في تعاملها مع اليمن، لذلك فإنَّها عندما تُقدِّم عشرات المليارات وتمد أياديها البيضاء لأشقائها؛ فهي تقوم بذلك لواجبها الأخويِّ والتزامها الأخلاقيِّ ورغبتها في مساعدة أشقائها، باعتبار أنَّ ما يمرُّ به اليمن تتأثر به المملكة بصورةٍ مباشرة. لذلك لم تتردَّد السلطات السعوديَّة للمسارعة بإمداد اليمن بالمشتقَّات النفطيَّة، وإيداع مليارات الريالات لمساعدة العملة المحليَّة على الصمود والاحتفاظ بقيمتها.

وتتجلَّى الرغبة السعوديَّة في مساعدة اليمنيِّين على تبنِّي خياراتهم الخاصَّة؛ دون وصاية من أحد، أو تدخلات خارجيَّة في تأكيدها أنَّ مواطن اليمن الجنوبيِّ هو الذي يُقرِّر مصيره، ويُحدِّد مستقبله. لذلك سارعت إلى تلبية طلب رئيس مجلس القيادة الرئاسيِّ اليمنيِّ الدكتور رشاد العليمي باستضافة مؤتمر شامل في الرياض، يجمع كافة المكوِّنات الجنوبيَّة للجلوس على طاولة الحوار؛ لبحث الحلول العادلة للقضيَّة الجنوبيَّة.

وللتأكيد على احترامها لخيارات اليمنيِّين، أعلنت القيادة السعوديَّة أنَّه لن يتم استثناء أيِّ طرف فاعل في جنوب اليمن من المشاركة في المؤتمر، حتى المجلس الانتقالي الذي تسبَّب في الأزمة، واستعدى المملكة، فإنَّ أبواب المشاركة مفتوحة أمامه في المؤتمر، إنْ أراد العودة إلى جادَّة الصَّواب، وارتضى الحوار وسيلةً وحيدةً لحلِّ المشكلات.

أمَّا المغامرات غير مأمونة العواقب، أو محاولات القفز في الظَّلام، والسَّعي إلى فرض أجندات مشبوهة بمنطق القوَّة؛ فهي أساليب أثبتت الأيام أنَّها لا تنفع في التعامل مع القيادة السعوديَّة الحكيمة، التي وإنْ مدَّت حبال الصبر، وتحمَّلت الأذى؛ فإنَّ ذلك نابع من سياستها التي تقوم على التجاوز عن الصغائر والتعامل بمنطق الكبار. أمَّا حينما يصل الأمر إلى مستوى تهديد أمنها الوطنيِّ وسلامتها؛ فإنَّها قادرة على قطع كل يد تحاول أن تمتد إليها بسوء.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store