Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

المستخبــــــــي

A A
بعض من أهم المنعطفات التاريخية التي غيّرت العالم لا تزال محاطة بالغموض. العدوان الثلاثي على مصر الشقيقة في 29 أكتوبر 1956 كان من أهم تلك الأحداث. الموضوع كما درسناه يتلخص في تأميم قناة السويس من الحكومة المصرية بقيادة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في 26 يوليو 1956. وجاء رد الفعل لذلك من بريطانيا، وفرنسا، والكيان الصهيوني في الهجوم الثلاثي الغادر على بورسعيد ومدن قناة السويس الأخرى؛ لتأكيد سلاسة حركة الملاحة العالمية، استغرق العدوان حوالى تسعة أيام، واستشهد خلاله حوالى ثلاثة آلاف إنسان. والمفاجأة هنا هي أن هذا الوصف يحتاج للتقنين. أولاُ: التأميم لم يكن لقناة السويس، وإنما للشركة الفرنسية البريطانية واسمها «الشركة العالمية لقناة السويس البحرية» وكانت تملك امتياز، وإدارة، وتشغيل القناة، وتحصل على معظم الأرباح، علماً بأن القناة تم بنائها بأيدي مصرية عام 1869. ثانياً: إن الهدف الرئيس من العدوان لم يكن لاستعادة هيمنة الشركة، وإنما كان لزعزعة الحكومة المصرية وقتل الرئيس عبدالناصر. وأُركِّز هنا على موضوع القتل، وليس الإطاحة أو التوقيف، وهذه معلومة موثقة من أرشيف المحادثات بين رئيس الوزراء البريطاني «أنتوني إيدن» ووزير خارجيته «أنتوني ناتينج» في مكالمة هاتفية غير مشفرة. وكان الكره من إيدن نحو الرئيس المصري معروفاً ومحسوساً حول العالم على المستوى السياسي، والعسكري، والشخصي. ثالثاً: كانت الحكومة الفرنسية تهدف لإزالة الرئيس عبدالناصر بسبب دعمه للمقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي. وللعلم فقد كانت الجزائر محتلة من فرنسا منذ 5 يوليو 1830، وكان الشارع الفرنسي، والحكومة الفرنسية، سواء كانت يسارية أو يمينية، تعتبر أن الأراضي الجزائرية جزءاً من الدولة الفرنسية. رابعاً: رأي الكيان الصهيوني أن الحكومة المصرية بقيادة الرئيس عبدالناصر تمثل إحدى أهم التهديدات العربية، سواء كانت من دعم العمليات الفدائية بداخل الأراضي المحتلة، أو من خلال التسليح الحديث وبناء قوة ضاربة في العالم العربي. خامساً: كانت هناك مسرحية هزلية تم الاتفاق عليها في ضاحية «سِفر» الباريسية برئاسة القيادات العليا الفرنسية، والبريطانية، والصهيونية. اتفقوا بالإجماع على أن تهجم القوات الصهيونية على الأراضي المصرية في سيناء، وأن تتجه لقناة السويس بحجة ردع هجوم الفدائيين على الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولفض الاشتباك وحماية الملاحة البحرية، تقوم القوات البريطانية والفرنسية باحتلال كامل ممر القناة. وخلال تلك المسرحية تم فتح إحدى أخطر أبواب التعاون الصهيوني الفرنسي، وهو بناء المفاعل النووي في ديمونا في صحراء النقب، والتسليح الفرنسي للكيان الصهيوني. سادساً: خلال تلك الفترة، شهد الاتحاد السوفيتي اندلاع ثورة في أوروبا الشرقية ضده، بدأت من المجر وشدت أنظار العالم، فسمحت بتجاوزات العدوان في مراحله الأولى. وانتهت الأزمة بالتدخل الأمريكي والسوفيتي. وباختصار شديد: العدوان الثلاثي كان من أكبر مهازل الاستعمار.

* أمنيــــــــــة:

الحمد لله على النصر المصري الرائع على العدوان الثلاثي الغاشم، ممَّا يُعزِّز من مكانة مصر الشقيقة، والعالم العربي بأكمله دولياً. وللتذكير فإن التاريخ لا يمثل قراءة أحداث الماضي بقدر ما يمثل شرح ما نمر به اليوم وفي الغالب ما سنشهد في المستقبل بمشيئة الله. أتمنى أن يظهر المستخبي في الحرب ضد المدنيين في غزة الغالية، والسودان الشقيقة، وفي الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وغيرها من الصراعات، وكان الله في عون المظلومين، وهو من وراء القصد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store