أصبحت البيانات الحيويَّة اليوم، المورد الأكثر قيمةً في الطب الحديث، حيث تشمل معلومات دقيقة عن معدَّل ضربات القلب، وضغط الدم، ومستويات السكر، والنشاط العصبي، وجودة النوم، هذه البيانات تمثِّل «ثورة طبيَّة»؛ لأنَّها تمكِّن الأطباء والباحثين من فهم الحالة الصحيَّة للمريض بدقَّة، والتنبؤ بالمخاطر قبل ظهور الأعراض، ووفق تقرير منظَّمة الصحَّة العالميَّة، يمكن استخدام البيانات الحيويَّة لتقليل الأخطاء الطبيَّة بنسبة 15 - 20٪ وتحسين نتائج العلاج.
مع انتشار الأجهزة القابلة للارتداء مثل الساعات الذكيَّة، وأساور اللياقة البدنيَّة، أصبح بالإمكان جمع البيانات بشكل مستمر، حيث أظهرت دراسة من جامعة هارفارد عام 2019م أنَّ تحليل بيانات النشاط البدنيِّ والنَّوم يمكن أنْ يتنبَّأ بارتفاع ضغط الدم لدى المرضى المزمنين قبل سنتين من ظهور الأعراض؛ ممَّا يتيح التدخل المبكِّر وتقليل المضاعفات.
كما أنَّ البيانات الضَّخمة تمثِّل أساسًا للطب الشخصيِّ، حيث يتم تصميم خطط علاجيَّة مخصَّصة لكل مريض، وفقًا لجيناته وتاريخ مرضه ونمط حياته، ومن ضمن رُؤية 2030 أنشأ برنامج الجينوم السعودي المختص بالخريطة الجينيَّة للمريض السعوديَّ، وهو يختص بإنشاء قاعدة بيانات وراثيَّة للمجتمع السعوديِّ الذي يهدف إلى تحديد الاختلافات الجينيَّة والجينات المسبِّبة للأمراض الوراثيَّة لتمكين التَّشخيص المبكر والعلاج الشخصيِّ للأفراد، ويسعى البرنامج إلى الحد من انتشار الأمراض الوراثيَّة، وتحسين طرق علاجها، ودعم الطب الشخصي؛ مما ينعكس إيجابًا على جودة الحياة، والصحة العامة.
ومع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعيِّ أصبح بالإمكان تحليل ملايين القياسات الحيويَّة بسرعة، واكتشاف أنماط غير مرئيَّة بالعين المجرَّدة، ممَّا يسهل تطوير أدوية وعلاجات أكثر فاعليَّة وتحسين برامج الوقاية الصحيَّة، كذلك تُستخدم هذه البيانات في تطوير أجهزة مراقبة عن بُعد للمرضى؛ ما يقلِّل الحاجة إلى زيارات المستشفى المتكرِّرة، ويحسِّن جودة الرعاية.
إلَّا أنَّ جمع البيانات الحيويَّة، يطرح تحدِّيات أخلاقيَّة وقانونيَّة، مثل حماية خصوصيَّة المريض، وتأمين البيانات من الاختراق، وتؤكد ضرورة تشفير البيانات واستخدامها بطريقة مسؤولة.
البيانات الحيوية تمثل ثروة إستراتيجية في الطب الحديث؛ لأنها تمكن من التحول من العلاج بعد المرض إلى الطب الوقائي والشخصي، وتحسين جودة الحياة، وتقليل التكاليف الصحية.


