Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. محمد سالم الغامدي

الوعود والقيمة الشرعية والاجتماعية

A A
اللَّافتُ للانتباهِ ذلك التَّنامي المُتسارع في ممارسات سلوك تهاونِنا الملموس في معاملاتِنا اليوميَّة الحياتيَّة الرسميَّة منها، والاجتماعيَّة وسلوكاتنا اليوميَّة أيضًا الرسميَّة والاجتماعيَّة، التي تؤكِّد عدم اكتراثنا بالصِّدق في المواعيد، وهي القيمة الإنسانيَّة التي تُعدُّ الحد الفارق بين فئة المنافقِينَ وفئة الصادقِينَ، فالقيمتان متضادتان، فالصدقُ عكسه النفاقُ، وهذا ما يتبيَّن من آياتٍ كُثر، حيث يقول الله تعالى: (لِّيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ) فالمنافقُون هم مَن قال الله في وصفِهم في كتابه: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، وقال عنهم سبحانه: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَلَهُمْ نَصِيرًا)، وهذا ينطبق تمامًا على مَن يُخلف في مواعيده، بل إنَّ البعض يعتبر ذلك نوعًا من الذكاء والالتفات، متناسِينَ تلك الآيات الكريمة والحديث الشريف الذي يبيِّنه قول رسول الله -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: (آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذَا وعَدَ أخْلَفَ، وإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ).

أمَّا الصادقُون فهم مَن قال اللهُ عنهم: (هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، وقال عنهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)، وقال عنهم مقارنةً بالمنافقِينَ: (لِّيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ).

وبالرغم من كل تلك التَّوجيهات والتَّنبيهات الربانيَّة التي تحثُّ على حسن وصدق المعاملة الحياتيَّة، حيث تُعدُّ الوجه الثاني للدِّين، وبدونها لا يكتمل، فالدِّين مرآته المعاملة، والمعاملة تتمثَّل في صدق القول، والوفاء بالوعود والعهود، التي تقوم عليها أغلب المعاملات الحياتيَّة مع الغير.

ولكن بالرغم من تلك الأهميَّة الدينيَّة نجد أنَّ هناك من يعمل في بعض المؤسَّسات التي تقدِّم خدماتها للمجتمع يتفنن في العبث بالمواعيد، ويحاول الالتفاف عليها بالأعذار الواهية؛ ممَّا يترتَّب عليه الكثير من ضياع الوقت والجهد، وحتى المال على الفرد والمجتمع، حيث نجد البعض يمارس تلك الأعذار، مثل: راجعنا يوم آخر، أو لم يتم مناقشة طلبك، أو إنهاء معاملتك، بينما الحقيقة أنَّ ذلك مجرَّد التفاف بالوعود الكاذبة، وهذا بالطَّبع لا ينفي وجود المخلصِينَ الصَّادقِينَ في وعودهم، وحتى في اعذارهم.

وحتى في ممارساتنا الحياتيَّة نجد أنَّ أقرب السُّبل للالتفاف حول الوفاء بالوعود والعهود، هو نثر الأعذار غير الصادقة، وهذا أيضًا يترتَّب عليه الكثير من النواتج السَّالبة للفرد والمجتمع، كضياع الوقت والجهد والمال، من خلال تلك الوعود الكاذبة التي نهانا الله عنها في كتابه الكريم، وأرسل لنا نبيًّا من أنفسنَا لُقِّب بالصَّادق الأمين؛ ليكون نبراسًا وقدوةً لنا في معاملاتنا الحياتيَّة، التي تتمثَّل فيها القِيم الإنسانيَّة ركنًا رئيسًا، والتي قال رسولنا -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- عن نفسه: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ)، والصدق في الوعود والعهود، تُعدُّ في من أهم القيم الفاضلة التي يستوجب الالتزام بها في حياتنا اليوميَّة.

ولو عدنا بأنفسنا قليلًا، واستلهمنا ما نراه من أنفسنا ومن الغير في حياتنا اليومية من تلك الوعود الكاذبة، لوجدنا حجم المخالفة للرب سبحانه، وحجم المخالفة لسلوك نبينا الصادق الأمين، ولراجعنا أنفسنا، وربطنا كل ذلك بما ورد في كتاب الله تعالى من تلك الوعود الربانيَّة التي سيكون حسابُها عسيرًا يومَ القيامة، فالله -سبحانه وتعالى- لَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store