Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. خالد محمد باطرفي

استخدام الانقسام لتهديد أمن البحر الأحمر

A A
جاء الموقفُ السعوديُّ واضحًا وحاسمًا في إدانته لما أعلنته سُلطات الاحتلال الإسرائيليِّ من اعتراف بإقليم أرض الصومال (صوماليلاند)، باعتباره مساسًا مباشرًا بسيادة جمهوريَّة الصومال الفيدراليَّة، ووحدة أراضيها، وخرقًا صريحًا لقواعد القانون الدوليِّ ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة التي قامت، في جوهرها، على احترام سيادة الدُّول، وعدم التدخُّل في شؤونها الداخليَّة. هذا الموقف لا يمكن قراءته خارج سياقه الإستراتيجيِّ الأوسع، ولا بمعزل عن تعقيدات المشهد الجيوسياسيِّ في القرن الإفريقيِّ والبحر الأحمر.

تؤكِّد المملكة، كما درجت في سياستها الخارجيَّة، أنَّ وحدة الدول الوطنيَّة تمثِّل حجر الزَّاوية في الاستقرار الإقليميِّ، وأنَّ أيَّ عبثٍ بهذه القاعدة يفتح الباب أمام صراعات ممتدَّة تتجاوز حدود الدَّولة المعنيَّة، لتطال الأمن الجماعيَّ والمصالح الدوليَّة. ومن هذا المنطلق، فإنَّ أيَّ محاولة للاعتراف بإقليمٍ انفصاليٍّ داخل دولة ذات سيادة، خارج الأُطر القانونيَّة والدستوريَّة، تُعدُّ سابقةً خطيرةً تهدِّد النظام الدوليَّ القائم.

من الناحية القانونيَّة، لا يملك إقليمُ أرض الصومال أيَّ أهليَّة لعقد اتفاقيَّات دوليَّة، أو ممارسة أعمال سياديَّة مستقلَّة، فهذه الصلاحيَّات محصورةٌ بالحكومة الفيدراليَّة في مقديشو. وعليه، فإنَّ أيَّ اعتراف خارجيٍّ بالإقليم لا يكتسبُ أيَّ مشروعيَّة قانونيَّة، بل يُعدُّ تدخُّلًا مباشرًا في الشأن الداخليِّ الصوماليِّ، ومحاولة لفرض واقعٍ سياسيٍّ مصطنع يتعارض مع الإرادة الوطنيَّة الجامعة للشعب الصوماليِّ.

لكن خطورة الخطوة الإسرائيليَّة لا تتوقَّف عند حدود الصومال، بل تتجاوزها إلى الأمن الإقليميِّ والدوليِّ، لا سيَّما في منطقة القرن الإفريقيِّ والبحر الأحمر. فهذه المنطقة تمثِّل شريانًا حيويًّا للتجارة العالميَّة، وتمرُّ عبرها نسبة كبيرة من حركة الملاحة الدوليَّة وسلاسل الإمداد والطاقة. وأيُّ توظيفٍ سياسيٍّ أو عسكريٍّ لمواقعها الجغرافيَّة الحسَّاسة، وفي مقدِّمتها مضيق باب المندب، من شأنه أنْ يخلقَ بؤرَ توتُّر جديدةٍ، ويضاعفَ من هشاشة الأمن البحريِّ في واحدة من أكثر المناطق حساسيَّة في العالم.

ولا يمكن تجاهل السِّياق الذي يأتي فيه هذا الاعتراف، إذ ينسجمُ مع نمط معروف من السياسات الإسرائيليَّة القائمة على استغلال الانقسامات الداخليَّة، وتغذية النزاعات، واستخدام الجغرافيا كأداة ضغط وابتزاز سياسيٍّ وأمنيٍّ. وهي سياسات أثبت التاريخ أنَّها لا تنتج استقرارًا، بل تؤسِّس لصراعات طويلة الأمد، وتُدخل الفاعلِين المحليِّين في مواجهات تتجاوز قدرتهم على التحكُّم في مآلاتها.

ومن هنا، فإنَّ مصلحة إقليم أرض الصومال نفسها تقتضي الابتعاد عن أيِّ ارتباطات خارجيَّة مشبوهة، والانخراط بدلًا من ذلك في مسارٍ وطنيٍّ جامعٍ، يحفظُ له مكانته ضمن الدَّولة الصوماليَّة، ويصون علاقاته الطبيعيَّة مع محيطه العربيِّ والإسلاميِّ والإفريقيِّ. فالدخول في مشروعات تقودها أطراف معروفة بنزعتها التصادميَّة لن يؤدِّي إلَّا إلى عزل الإقليم سياسيًّا، وتحويله إلى ساحة صراع إقليميٍّ ودوليٍّ، يدفع ثمنه سكَّانه أولًا وأخيرًا.

إنَّ الدعم الذي تحظى به جمهوريَّة الصومال الفيدراليَّة من الدول الشقيقة والصَّديقة، وفي مقدِّمتها المملكة العربيَّة السعوديَّة، يعكس إدراكًا جماعيًّا لخطورة الإجراءات الأحاديَّة، وضرورة الوقوف في وجه أيِّ محاولات لتقويض سيادة الدول، أو العبث بوحدة أراضيها. كما يضع على عاتق المجتمع الدوليِّ مسؤوليَّة التحرُّك بموقف موحَّد، يرفض هذه الممارسات، ويحافظ على السلم والأمن الإقليميَّين والدوليَّين.

في المحصلة، لا يتعلَّق الأمرُ باعترافٍ سياسيٍّ عابرٍ، بل بمحاولة لإعادة تشكيل موازين الأمن في منطقة إستراتيجيَّة بالغة الحساسيَّة. وهنا، يصبح الموقفُ المبدئيُّ الواضحُ، القائم على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ليس خيارًا أخلاقيًّا فحسب، بل ضرورة إستراتيجيَّة لحماية استقرار المنطقة والعالم.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store