Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد المرواني

نهاية معلم.. ماذا بقي؟!

A A
في كلِّ عام، يغادر آلاف الموظَّفين ميادين العمل بعد رحلةٍ طويلةٍ من العطاء، لكن حين يطوي المعلِّم آخر صفحة في سجل خدمته، فإنَّ المشهد يبدو مختلفًا تمامًا. فهنا لا تنتهي وظيفة فحسب، بل تُطوى معها سنوات من بناء العقول، وصياغة الوعي؛ وتشكيل مستقبل أجيال كاملة. وبينما تتباين المهن في مشقتها، يبقى التعليمُ واحدًا من أكثرها استنزافًا للفكر والجسد والوقت، بما يحمله من مسؤوليَّة يوميَّة في التعامل مع عقول ومشاعر لا تتشابه.

يقف المعلم طوال مسيرته أمام طلاب تتفاوت مستوياتهم وسلوكيَّاتهم؛ بين متفوِّق منضبط، وآخر يحتاج إلى مَن يأخذ بيده، وثالث تجرُّه ظروفه الأسريَّة أو الاجتماعيَّة بعيدًا عن التركيز والتحصيل. وفي كل حصَّة، يُغيِّر المعلِّم أسلوبه مرَّات عدَّة، مراعيًا الفروق الفرديَّة، محاولًا أنْ يمنح كل طالب ما يستحقه من وقتٍ واهتمام. هذه الضغوط لا تتوقَّف عند باب المدرسة، بل تمتد إلى البيت عبر تواصل مستمر مع أولياء الأمور، ومتابعة لا تنتهي للخُطط والواجبات والنتائج.

وليس غريبًا أنْ يُغادر كثير من المعلِّمين الميدان وهم يحملُون أمراضًا مهنيَّة شائعة، أبرزها ارتفاع الضغط، نتيجة تراكم الضغوط اليوميَّة، وتفاوت معايير الانضباط داخل البيئة التعليميَّة. ومع ذلك، فإنَّ مشهد التقاعد غالبًا لا يختلف كثيرًا عن بقيَّة القطاعات، قرار إداري، ونهاية رقم وظيفي، بينما تبقى السنوات الثقيلة التي حملت عقول الأجيال مجرد سطور في ملف.

من هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة حقيقيَّة لأنظمة تقاعد المعلِّمين وطرق تكريمهم، سواء على مستوى المزايا الماليَّة أو على مستوى الاحتفاء الرمزيِّ؛ الذي يمنحهم الحد الأدنى من الشعور بالامتنان. فبعض مظاهر التقدير التي كانت تُعدُّ جزءًا من تقاليد التكريم، مثل «البشت» في حفلات المتقاعدين، اختفت أو تلاشت، بينما بقيت جهود التكريم النوعيَّة محصورة في مبادرات فرديَّة، لا ترقى إلى أنْ تكون عرفًا عامًّا.

ما دفعني لكتابة هذا المقال، هو دعوة كريمة تلقَّيتها من منسوبي متوسطة أنس بن معاذ بالمدينة المنوَّرة؛ لحضور حفل تكريم معلِّم الرياضيات الأستاذ مبارك الزايدي. كان الحفل نموذجًا لما يجب أنْ تكون عليه نهاية مسيرة معلِّم، تنظيم مبهج، تفاصيل دقيقة، تفاعل حي، وفرقة ألعاب شعبيَّة أضفت روحًا خاصَّةً، إضافةً إلى عرض بصريٍّ مُؤثِّر وثَّق رحلة المعلِّم المهنيَّة، في مشهد جمع بين الفرح والامتنان.

وفي الختام، يبرز اسم المعلِّم بدر العنزي، بوصفه أحد رموز النجاح في تنظيم هذا الحفل. فقد قدَّم نموذجًا حيًّا لما يمكن أنْ يصنعه الإخلاص حين يُمنح صاحبه الثقة. مثل هذه الكفاءات يجب أنْ تُستثمر في نطاق أوسع داخل إدارة تعليم المدينة، خصوصًا في مجالات النشاط، وتنظيم الفعاليَّات النوعيَّة.

ويبقى السؤال الذي لا يجب أنْ يغيب: (حين تنتهي رحلة المعلم.. ماذا نُبقي له؟!).

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store