في ليلة من أجمل الليالي الشتويَّة للعاصمة الرياض، عاصمة الأدب والشعر والثقافة والصحافة، تشرَّفتُ بالمشاركة في حفلٍ ملوكيٍّ بهيٍّ، رعته قامات وطنيَّة، يتقدَّمهم صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلاميَّة، ورئيس مجلس أمناء مركز عبدالله بن إدريس الثقافيِّ، وصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين رئيس مجلس أمناء مؤسسة الملك سلمان غير الربحيَّة، وصاحبة السمو الملكي الأميرة موضي بنت خالد بن عبدالعزيز الأمين العام لمؤسسة الملك خالد الخيريَّة، وسمو الشيخة مي آل خليفة رئيسة مجلس أمناء مركز الشيخ إبراهيم آل خليفة للثقافة والبحوث، وبعض من الوزراء ورؤساء الجامعات.
كانت ليلة اجتمع فيها أقطاب العلم والأدب والثقافة، والشعر والصحافة، من مختلف مناطق المملكة، في مشهد يليق بتاريخ وطن صنع الإنسان قبل المكان، وجاء هذا اللقاء تكريمًا لإرث أحد أبرز رموز الكلمة في السعوديَّة، الأديب الشاعر عبدالله بن إدريس، ابن نجد التي أنجبت العظماء من القادة والمفكِّرين ورجال الاقتصاد، وتكريمًا للفائزين بجائزة تحمل اسمه، وتخلِّد أثره، وتؤكِّد أنَّ الثقافة السعوديَّة متجدِّدة، لا تعرف التوقُّف.
يعد عبدالله بن إدريس أحد الأسماء المفصلية في المشهد الأدبي والثقافي السعودي المعاصر. فلم يكن شاعرًا تقليديًّا فحسب، بل كان مشروعًا ثقافيًّا متكاملًا، جمع بين الشعر والصحافة والفكر، وأسهم في تشكيل الوعي الثقافيِّ الحديث للمملكة، عُرف بأسلوبه المتَّزن، ولغته العميقة، وقدرته على الجمع بين الأصالة النجديَّة والانفتاح على الحداثة.
برز ابن إدريس شاعرًا وناقدًا وصحفيًّا، وكان من أوائل الأصوات التي آمنت بدور الكلمة في بناء المجتمع، فكتب للوطن، والإنسان، والهويَّة، وساهم عبر الصحافة الثقافيَّة في ترسيخ الحوار الأدبيِّ، وتشجيع المواهب، والدفاع عن قضايا الثقافة والفكر. لم يكن حضوره عابرًا، بل ترك أثرًا ممتدًا في الأجيال التي جاءت بعده؛ ليصبح اسمه مرجعًا لكلِّ مَن أراد فهم تطور الأدب السعوديِّ الحديث.
وانطلاقًا من هذا الإرث العميق، جاءت جائزة عبدالله بن إدريس الثقافيَّة كمبادرةٍ نوعيَّة؛ تُعنَى بتكريم المشروعات والمبادرات الثقافيَّة التي تسهم في تنمية المشهد الثقافيِّ السعوديِّ، وتعزيز حضوره المعاصر، مع تركيز خاص على الابتكار والأثر المجتمعيِّ، وتعتمد الجائزة في كل دورة محورًا ثقافيًّا متجدِّدًا؛ يعكس قضايا التحوُّل والتجديد في العقل الثقافيِّ.
وقد خُصِّصت الدورة الأولى للجائزة لموضوع الشعر العربيِّ، تزامنًا مع إعلان وزارة الثقافة عام 2023 عامًا للشعر العربيِّ، فيما جاءت الدورة الثانية تحت عنوان «الثقافة الرقميَّة»، استجابةً للتحوُّلات التقنيَّة المتسارعة، واستحضارًا لدور التكنولوجيا في إعادة تشكيل الإنتاج الثقافيِّ، وبناء المعرفة، وتعزيز الحضور العربي في الفضاء الرقميِّ.
وشهدت الدورة الثانية مشاركة نخبة من الأكاديميِّين والمختصِّين في التحكيم، حيث خضعت الأعمال المتقدِّمة لمعايير دقيقة شملت القيمة الفنيَّة والابتكار والأثر والجودة، مع التأكيد على النزاهة والشفافيَّة، وقد أسفرت النتائج عن فوز منصَّة سماوي بالمركز الأول في محور المكتبات الرقميَّة والتوثيق الثقافيِّ، كما حصلت «منصَّة ثمانية» على المركز الأول في محور منصَّات التواصل الثقافيِّ الرقميَّة، لما قدَّمته من نموذج معرفيٍّ متكاملٍ يعزِّز المحتوى العربيَّ الرقميَّ.
كما حاز بودكاست أسمار على المركز الثاني، وبودكاست جولان على المركز الثالث، وذلك لما تميَّزت به من جودة محتوى وتأثير ثقافيٍّ، وانتشار وانسجام مع هويَّة الثقافة الرقميَّة العربيَّة.
لم يكن هذا التكريم مجرَّد احتفاء كبير، بل رسالة واضحة بأنَّ الثقافة السعوديَّة ماضية بثقة نحو المستقبل، مستندة إلى إرثها العميق، ومنفتحة على أدوات العصر. فعبدالله بن إدريس لم يكن شاعر زمنه فقط، بل شاعر فكرةٍ ما زالت تنبض أنَّ الكلمة الصادقة قادرة على صناعة الوعي، وأنَّ الثقافة حين تُكرَّم، فإنَّها تثمر أجيالًا.
إنَّ ما يحفظ الأثر للآباء والروَّاد هو المسؤوليَّة المُلقاة على أبنائهم، وقد حمل أخي الدكتور زياد عبدالله بن إدريس المسؤوليَّة بأمانة وإخلاص، وسخَّر كل إمكاناته للحفاظ على هذا الإرث متبنِّيًا هذه الجائزة، وسانده كل أبناء عائلة ابن إدريس بحضور وتنسيق ودعم لإنجاح هذه المناسبة السنويَّة؛ وبرامجها على مدار العام.
فهل يقتدي بهم أبناء الروَّاد السابقين في مختلف المجالات؟.


