Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. خالد محمد باطرفي

الدولة العربية بين منطق الوراثة ومأزق الثورة

A A
يرى ابن خلدون، في مقدمته الشهيرة، أنَّ الدول لا تقوم اعتباطًا، ولا تسقط فجأةً، بل تمر بدورات شبه ثابتة، تبدأ بجيل التأسيس، حيث الصلابة والبأس والتضحيات الكُبْرى، ثمَّ بجيل ثانٍ يحافظ على الكيان، مستندًا إلى إرث المؤسِّسين، قبل أنْ تصل الدولة إلى أجيال مترفة تنقطع صلتها بمرحلة البناء، فتضعف الهمَّة، ويكثر التنافس، وتدخل الدولة طور الوهن، إيذانًا بالأفول، وتسليم الراية لكيان جديد يقوده جيل مؤسس آخر.

ويحدِّد ابن خلدون للدولة خمسة أطوار متعاقبة: الظفر، ثمَّ الانفراد بالمجد، فمرحلة الفراغ والدعة، يليها طور القنوع والمسالمة، وأخيرًا الإسراف والتبذير، وهو الطور الذي يسبق السقوط عادةً. هذه النظريَّة لا تنتمي إلى التاريخ الإسلاميِّ وحده، بل تبدو صالحةً لتفسير تحوُّلات الإمبراطوريَّات الكُبْرى في التاريخ الحديث والمعاصر.

فالإمبراطوريَّة القيصريَّة في روسيا انهارت، ثمَّ قام الاتحاد السوفيتي، قبل أنْ يتفكَّك هو الآخر، لتولد روسيا الاتحاديَّة. والصين الإمبراطوريَّة سقطت، لتقوم على أنقاضها جمهوريَّة الصين الشعبيَّة. وورثت الولايات المتحدة الدور العالميَّ لبريطانيا، بينما فقدت الإمبراطوريات الأوروبيَّة مستعمراتها، وتحوَّلت أنظمتها السياسيَّة، من الملكيَّات إلى الجمهوريَّات، أو من القيصريَّة إلى النازيَّة، ثمَّ الجمهوريَّة، كما في ألمانيا، أو من إمبراطوريات مركَّبة إلى دول قوميَّة أصغر، كما حدث في يوغسلافيا. ولم تكن إمبراطوريَّات إفريقيا، وأمريكا الجنوبيَّة استثناءً، من الإنكا إلى مالي، ومن الحبشة إلى الزولو، كلها خضعت للدورة ذاتها.

في العالم العربي، خرجت الدول الحديثة من عباءة الإمبراطوريَّات العثمانيَّة والأوروبيَّة، ونشأت كيانات وطنيَّة ملكيَّة وجمهوريَّة بعد الاستقلال، باستثناء السعوديَّة التي وُلدت دولة مستقلة منذ نشأتها الأولى. ومع مرور الوقت، أصابت بعض هذه الدول ما يمكن تسميته بـ«اللحظة الخلدونيَّة»، فانقلبت جمهوريَّات ناشئة على ملكيَّاتها، كما حدث في مصر، والعراق، وليبيا، واليمن، وسوريا، بدعوى التحديث والتحرُّر من الفساد، لتدخل لاحقًا في مسارات أكثر تعقيدًا.

في المقابل، صمدت ملكيَّات الجزيرة العربيَّة، والأردن، والمغرب، واستطاعت تجديد شرعيتها عبر التنمية وبناء الإنسان، ومواكبة التحوُّلات الاقتصاديَّة والتعليميَّة، فبدت كأنَّها أعادت إنتاج لحظة التأسيس الأُولى، ولكن بأدوات العصر الحديث.

أمَّا الجمهوريَّات العربيَّة، فقد شهد كثير منها صراعات داخليَّة حادَّة، وانقلابات متتالية، وتنازعًا على السلطة، وتفكُّكًا اجتماعيًّا على أسس طائفيَّة، أو عرقيَّة، أو قبليَّة، مع تزايد الارتهان للخارج. وعاد الاستعمار بصيغ جديدة، أكثر قسوةً، وأقل التزامًا، لا يعنيه بناء الدولة أو تطوير المجتمع، بل استنزاف الموارد، وتسليح الميليشيات، وترسيخ القواعد العسكريَّة، دون تنمية أو استقرار.

وفي دول أخرى، أدَّى حكم العسكر إلى تكريس أنظمة بوليسيَّة مغلقة، ترفع شعارات قوميَّة أو عقائديَّة، بينما تُهمل المصالح الوطنيَّة والتنمية المستدامة، وتُبقي السلطة محتكرةً داخل دائرة ضيِّقة من العائلة، أو الحزب، أو المؤسسة العسكريَّة، فتعمق الفجوة بين الحاكم والمحكوم، وتدفع العقول إلى الهجرة، والمجتمعات إلى الإحباط.

السؤال الذي يفرض نفسه، بعد كل هذا المسار، ليس نظريًّا: ما النظام الأنسب للعرب؟ جمهوريَّة ديمقراطيَّة حقيقيَّة؟ جمهوريَّة عقائديَّة؟ أو عسكريَّة؟ أم ملكيَّة وراثيَّة؟

ابن خلدون كان واضحًا حين وصف العرب بأنَّهم أصحاب همَّة وشكيمة، يتنازعون الرئاسة، ولا يستقر لهم حكم إلَّا بوازع ديني، أو ملك متوارث؛ لأنَّ التنافس على الصدارة جزء من تكوينهم الاجتماعيِّ. وهذا التحليل، وإنْ كُتب في سياق تاريخي قديم، لا يزال يجد صداه في تجارب حديثة، ليس عند العرب وحدهم، بل لدى شعوب أُخْرى لم تستقر إلَّا في ظل أُسر حاكمة، أو مرجعيَّات جامعة.

وجاءت أحداث «الربيع العربي»؛ لتختبر متانة أنظمة الحكم، فسقطت دول، فقدت توازنها بين الهويَّة والشرعيَّة، وصمدت أُخْرى استطاعت التوفيق بين الدَّولة والمؤسَّسة، بينما غرقت دول ثالثة في فوضى الميليشيات، والولاءات العابرة للحدود.

المفارقة أنَّ كثيرًا من الجمهوريَّات العربيَّة انتهت إلى أنظمة هجينة، لا هي جمهوريَّات بالمعنى الديمقراطيِّ، ولا ملكيَّات مستقرَّة، بل «جمهوملكيَّات» أو «جمهوعسكريَّات»، لجأ فيها رؤساء ثوريُّون إلى العائلة، والعشيرة، والجيش؛ لضمان البقاء في السلطة، بل ومحاولة توريث الحُكم، بعد أنْ وصلوا إليه بانقلاب على الملكيَّة ذاتها.

في المحصلة، تعثَّرت التجربة الجمهوريَّة العربيَّة في أغلب نماذجها، لا بسبب فكرة الجمهوريَّة ذاتها، بل بسبب تشويهها، وتعطيل مؤسَّساتها، وغياب التداول الحقيقي للسلطة، فتوقَّفت عجلة التنمية، وتحوَّلت دول واعدة إلى بؤر أزمات وهجرة وفوضى.

يبقى السؤال مفتوحًا: أيُّهما أصلح للعرب.. نظام ملكيٌّ متجدِّد، أم جمهوريَّة حقيقيَّة لم تُتح لها فرصة الوجود بعد؟

الإجابة، في النهاية، متروكة للقارئ، وللتجربة، وللتاريخ الذي لا يجامل أحدًا.

@kbatarfi

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store