من الإهداءات القيِّمة التي وصلتني مؤخَّرًا من «مؤسَّسة إبراهيم العنقري وذريَّته الخيريَّة»، كتاب أنيق حمل عنوان: (رجل دولة.. الشيخ إبراهيم العنقري)، وهو كتاب سيرة لأحد رجالات الدولة، يرصد ويوثِّق العديد من المحطات في حياة الفقيد، في رحلة حافلة امتدت على مدى نصف قرن، ويعكس تجربة مسؤول عايش تحوُّلات المملكة وتطورها، وأسهم بنضجه الفكري في بناء مؤسساتها وإرساء دعائمها الحديثة، منطلقًا من فكر إداريٍّ يواكب الفكر التنمويَّ للقيادة الرشيدة.
استهوتني المقدِّمة المؤثِّرة التي كتبها نجلُه مازن العنقري، والتي أكَّد فيها أنَّ فكرة التوثيق لم تكن مجرَّد وفاء لأبيه، بل رغبة في تسجيل تجربة ثريَّة لرجل عاش للعمل بصمتٍ ونزاهةٍ وإخلاصٍ.
كما لفت نظري، ذلك التمهيد الضَّافي الذي كتبه الباحث أ. د. عبداللطيف الحميد؛ الذي أكَّد أنَّ السِّير ليست ترفًا، بل واجبٌ وطنيٌّ ومعرفيٌّ تُنقل من خلاله الخبرات والتجارب للأجيال، خاصَّةً وأنَّ سيرة الشيخ العنقري تمثِّل صورة للمسؤول العصاميِّ الذي شقَّ طريقه بكفاءة وانضباط؛ ليغدو قدوة في الإدارة والتخطيط والاستشراف.
وباستعراض أبرز المحطَّات التي دوَّنها معدُّو الكتاب في حياة الفقيد العمليَّة، التي تَنقَّل فيها موظَّفًا بين وزارتي المعارف والخارجيَّة، ووكيلًا في وزارة الداخليَّة، ووزيرًا لوزارات الإعلام، والعمل والشؤون الاجتماعيَّة، والشؤون البلديَّة والقرويَّة، نقف بإعجاب أمام شخصيَّة استثنائيَّة مُلهمة، جمع في أدائه بين إبداع المثقف، وإحساس التربويِّ، وذكاء السياسيِّ، وفطنة الدبلوماسيِّ، وحكمة المسؤول الأمنيِّ، وانفتاح القائد الإعلاميِّ، وإتقان المُخطِّط الإداريِّ.
لقد كان الشيخ إبراهيم العنقري رجل دولة في مناصبه ومشاركاته، حيث برز في لجنة وضع الأنظمة الأساسيَّة، ولجان المفاوضات وترسيم الحدود، وكان يحرص على ترشيح المؤهلين للمناصب بسريَّة وعدل، كما كان أديبًا فصيحًا، وشاعرًا رقيق الحس، متميِّزًا في إلقائه منذ كان طالبًا في مدارس تحضير البعثات بمكَّة المكرَّمة، ثمَّ طالبًا بجامعة القاهرة، كما تميَّز برصانة قلمه في مقالاته بمجلة اليمامة، وجريدة البلاد. وقد مثَّل نموذجًا في حرصه على البكور للعمل، والانصراف المتأخِّر منه، حتى أنَّ الملك سلمان (الأمير آنذاك) زاره في مكتبه بوزارة المعارف عام 1954م، فوجده مُكبًّا على عمله، يتصبَّب عرقًا، فخرج من عنده، وأرسل له مروحةً تخفف عنه لفح حرارة الصيف.
وممَّا يكشف عن مكانة الشيخ إبراهيم ورفيع مقامه؛ أنَّه حين طلب -على استحياء- الإعفاء من منصبه الوزاريِّ الأخير، ونقله إلى موقع آخر لا مشقَّة فيه؛ بسبب ظروفه الصحيَّة، أصدر الملك فهد -رحمه الله- أمرًا ملكيًّا بتعيينه مستشارًا خاصًّا له بمرتبة وزير.
ويحيط الفقيد ذلك الأداء الريادي في حياته العمليَّة بجوانب إنسانيَّة مشرقة في العمل الاجتماعيِّ، الذي لامس به حاجات الفئات الفقيرة، وسعى فيه إلى توسيع مساحات الخير، ويتَّضح هذا في بناء المساجد داخل المملكة وخارجها، وترميم التاريخيِّ منها كالمسجد التاريخيِّ في موسكو.
ولعل ما كتبه أصدقاؤه وزملاؤه ومحبُّوه وعلى رأسهم سمو الأمير عبدالعزيز بن فهد ممَّن أحسُّوا بمرارة فَقْدِه عند وفاته، يعكس صورة صادقة عن المكانة المتميِّزة التي تبوأها في قلوبهم؛ بعد أنْ استوطن ذاكرتهم بوطنيَّته وإخلاصه وكريم طباعه.
إنَّ هذا الكتاب يُمثِّل وثيقةً معرفيَّةً ترصدُ ملامح بناء الدولة السعوديَّة الحديثة، وتُبرز حجم التحدِّيات التي رافقت نشأة المرافق الحكوميَّة، كما يعكس قيمة ومكانة شخصيَّة استثنائيَّة فريدة؛ وضعت بصمتها في مسارات التحوُّل والتطوير في هذه الدولة في مرحلة التَّأسيس والتحديث، ليظل هذا الإصدار الشيِّق شاهدًا على مرحلة مفصلية من تاريخ المملكة، وعلى رجل عاش عمره في خدمة وطنه بصمتٍ وإخلاصٍ.
نسألُ اللهَ أنْ يرحمَ الشيخَ إبراهيم العنقري، وأنْ ينفعَ بهذا السِّفرِ القيِّم قارئيه ومُعدِّيه. [email protected]


