لم يعد البروتوكول والمراسم في العلاقات الدوليَّة مجرَّد مجموعة من القواعد التنظيميَّة، أو الطُّقوس الشكليَّة المصاحبة للزيارات الرسميَّة، بل تحوَّل في العقود الأخيرة إلى أداة فاعلة من أدوات «القوة الناعمة»، تُستخدم لصياغة الرسائل السياسيَّة، وبناء الصورة الذهنيَّة للدول، وإدارة التفاعل الدوليِّ بلغة رمزيَّة هادئة -أو حتى صامتة- لكنَّها عالية الدلالة والتأثير.
من حيث المفهوم، يُقصد بالبروتوكول مجموعة القواعد والإجراءات التي تنظِّم السلوك الرسميَّ والتواصل بين أطراف مستقلة، بما يضمن الفهم المتبادل ويحدُّ من سوء التأويل. ويعود أصل المصطلح إلى اللُّغة اليونانيَّة، من كلمتي Proto (الأول) وKolla (اللَّصق)، في إشارة إلى «الورقة الأولى المُلصقة على الوثائق الرسميَّة»؛ التي تتضمَّن بياناتها وقواعد التعامل معها. ومن هنا تطوَّر الاستخدام ليصبح في السياق الدبلوماسيِّ إطارًا ينظِّم الأسبقيَّات والمراسم والتراتبيَّة بين المسؤولين والمبعوثين الدوليَّين.
وقد ارتبط البروتوكول بالمجال الدبلوماسيِّ قبل غيره؛ لأنَّ العلاقات بين الدول، بطبيعتها، تقوم على توازن دقيق بين النديَّة والاحترام، وتتطلَّب معايير تضبط المشهد، وتمنع الاحتكاك والتجاوز. ولاحقًا انتقل المصطلح إلى مجال الحوسبة ونظم المعلومات، في استعارة دقيقة تعكس القاسم المشترك المتمثل في تنظيم التفاعل بين الأطراف المختلفة؛ على نحو يقلِّل احتمالات التعارض، ويضمن السلاسة والخصوصيَّة.
وفي الدبلوماسيَّة العامة، يمكن النظر إلى البروتوكول بوصفه لغة رمزيَّة غير مباشرة، تدير الانطباعات والتأثير، وتبعث الرسائل الضمنيَّة، وتعبِّر بصمت عن القيم والسياسات؛ فكل تفصيل بروتوكوليٍّ -من ترتيب المقاعد إلى مستوى الاستقبال ومكانه- يحمل دلالةً ومعنى سياسيًّا، سواء قُصد ذلك أم لا.
وتقدِّم المملكة العربيَّة السعوديَّة نموذجًا لافتًا في هذا المجال، من خلال التحوُّل النوعيِّ الذي شهده البروتوكول السعودي في السنوات الأخيرة؛ إذ انتقل من الالتزام بالنماذج الدوليَّة التقليديَّة المكرورة، إلى بروتوكول إستراتيجيٍّ مُتفرِّد ذي هويَّة وطنيَّة واضحة، ينسجم مع مستهدَفات رُؤية السعوديَّة 2030، ويعكس صورة دولة واثقة، حديثة، مؤثرة، ومنفتحة على العالم.
ويُعدُّ استبدال البساط الأحمر التقليدي، بلون «الخزامى» مثالًا على هذا التحوُّل، فاللون الأحمر، رغم جذوره التاريخيَّة، أصبح رمزًا مستهلكًا لا يحمل خصوصيَّة ثقافيَّة بعينها، بينما استلهمت السعوديَّة بإبداع جريءٍ لون الخزامى من بيئتها الطبيعيَّة، بوصفه نباتًا بريًّا يرتبط بالجغرافيا المحليَّة والجمال غير المستورد.. لونًا يحمل فلسفةً تعكس الثقة والهدوء والتميُّز والأنَفة.
وينسحب هذا المنطق على اختيار مكان الاستقبال؛ بوصفه رسالة سياسيَّة قائمة بذاتها، فالدرعيَّة تستحضر عمق الدولة السعوديَّة وجذورها التاريخيَّة وشرعيتها السياسيَّة. والعُلا ترمز إلى البُعد الحضاريِّ والإنسانيِّ للمملكة، وإلى قدرتها على المواءمة بين التاريخ والاستدامة والانفتاح الثقافيِّ. وفي المقابل، تمثل نيوم خطاب المستقبل والابتكار، وتبعث رسالة واضحة عن توجه المملكة نحو الاقتصاد الجديد والتقنيات المتقدِّمة. بل إنَّ عقد قمم أو لقاءات رفيعة المستوى في مكَّة المكرَّمة يتجاوز البُعد المكاني إلى رمزيَّة قيميَّة وأخلاقيَّة عميقة، تستحضر مكانة المملكة الدينيَّة، وعمق الرابط المشترك، وقدسيَّة العهود والمواثيق، وتضفي على الحدث بُعدًا معنويًّا استثنائيًّا.
ختامًا، يمكن القول بأنَّ التجربة السعوديَّة تؤكِّد أنَّ البروتوكول تجاوز كونه وظيفة تنظيمية أو إطارًا شكليًّا لإدارة الزيارات والمناسبات، ليغدو أداةً سياديةً واعية لصناعة المعنى وإعادة تعريف مفهوم الجاذبية.. تجربةً تعكس صورة لدولة تدير حضورها بثقة، وتُحسن ترجمة هويتها الوطنية إلى لغة عالمية، تتجلى في دقة التفاصيل، وعمق الدلالة، وبلاغة التأثير.


