Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

الصحة أسئلة تطرحها التجربة

A A
من الصعب الحديث عن القطاع الصحيِّ دون استحضار حجم التحوُّل الذي شهده خلال الأعوام الماضية، تحوُّل في المباني، وفي التقنيات، وفي اتِّساع نطاق الخدمات، حتَّى باتت المنجزات أوضح من أنْ تُنكَر، وأقرب من أن تُجَادَل.

لكن القطاعات الخدميَّة الكُبرى لا تُقَاس فقط بما تحقِّقه في الظروف الطبيعيَّة، بل بما تقدِّمه حين يعلو الضَّغط، وتضيق الخيارات، ويصبح الوقت عاملًا حاسمًا لا يقبلُ التَّأجيل.

في لحظة طارئة، لا يفكِّر الإنسانُ في عدد الطوابق، ولا في حداثة الأجهزة، بل في سؤال واحد: هل الاستجابة حاضرة الآن؟ هنا تبدأ التفاصيل الصَّغيرة في الظهور، تفاصيل لا تذكرها التقارير، لكنَّها تصنع التجربة كاملةً.

في مثل هذه اللَّحظات، يتَّضح أحيانًا أنَّ العبء لا يقع على الإمكانات، بل على مَن يتولَّى إدارتها ميدانيًّا، أنْ تجد كادرًا محدودًا يواجه أكثر من مسار في وقت واحد، ليس وصفًا لخلل، بقدر ما هو تصوير لضغط تشغيليٍّ يتكرَّر بصور مختلفة.

وحين تمتد التجربة إلى محاولة التواصل، وطلب الدَّعم، يتأكَّد الانطباع ذاته؛ الخدمة موجودة، والقناة مفتوحة، لكنَّ الاستجابة تتأخَّر، وكأنَّ المنظومة تعمل بأقصى طاقتها دون هامش كافٍ للطوارئ.

هذا المشهد لا يمكن عزله عن واقع يعرفه كثيرُون، وقد طُرح في سياقات مهنيَّة سابقة، لا بهدف النقد، بل من باب التساؤل: هل توسُّع المنجزات رافقه توسُّع مماثل في الكوادر، وفي توزيعها، وفي جاهزيَّة التعامل مع الذروة؟

المفارقة أنَّ القطاع الصحي ليس استثناءً في ذلك، فالتحدِّي ذاته يواجهه كل جهاز خدمي يتنامى بسرعة، حيث تصبح الإدارة اليوميَّة أكثر تعقيدًا من التخطيط الإستراتيجيِّ.

ولعلَّ التجارب الناجحة علَّمتنا أنَّ الفارق الحقيقي لا تصنعه الميزانيَّات وحدها، بل تصنعه القدرةُ على قراءة الواقع كما هو، وربط القرار باللَّحظة، وتمكين مَن في الميدان من العمل دون إنهاك.

الصحَّة، كقطاع، لا تحتاج إلى مَن يدافع عنها، فهي مشغولة بعملها، لكنَّها كغيرها تحتاج أحيانًا إلى الإصغاء لما تقوله التجربة اليوميَّ؛ لأنَّها المرآة الأكثر صدقًا لأيِّ منجز.

* نقطة تحت السَّطر:

المنجزُ حين لا يُختَبر تحت الضَّغط، يبقَى إنجازًا علَى الورقِ، والتفاصيلُ هي التي تمنحُه حياتَه الحقيقيَّة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store