* لتسع سنواتٍ، كانت (المعلَّمة نجلاء الدقدوقي) تُكابدُ عناءَ السَّفر ومخاطرَه، وهي تقطع يوميًّا أكثر مِـن (300 كم)، وتدفعُ جرَّاء ذلك من صحتها ومالها، وكذا وقت أسرتِها التي تغادرها قبل الفجر بساعات، وترجعُ لها قبل الغروب بقليلٍ؛ وبعد تلك المعاناة، زارت البهجة روحها، وسَرَت في شرايينها؛ فقد حضر بعد غيبة (قرار نقلها)؛ ليعيدَها إلى مدينتِها وأُسرتِها.
*****
* لكنَّ (نجلاء) فاجأت الجميعَ، برفض هذا الحلم الذِي طال انتظارُه؛ أمَّا السَّبب فـ»الطالبةُ الكفيفةُ مُزن الشراري»، التي التحقت بالمدرسة التي تُديرُها في مركز «ميقوع» التابع لمنطقة الجوف؛ حيث استشعرت بقلبِ الأُمِّ وحسِّ الخبير خوفها الكبير، وارتباكها اللامحدود، وحاجتها للدَّعم النفسيِّ والتربويِّ؛ ولذا آثرت من أجلها رفض النَّقل رغم اشتياقها له، وحاجتها إليه؛ بل ولها تعلَّمت «لغة برايل»؛ لتكون لها عينًا ونورًا، مضحِّيةً براحتها الشخصيَّة لتصنع مِـن انكسار تلك الطالبة تفوُّقًا وتميُّزًا، وثقةً بنفسها، واعتمادًا على ذاتها، واندماجًا وتفاعلًا إيجابيًّا مع زميلاتِهَا.
*****
* الأستاذة الكريمة نجلاء، قدَّمت للمجتمع حكايةً إنسانيَّةً رائعةً، مؤكِّدةً: (مغادرتي وجدتُها قد تعني فقدانَ تلك الطالبة لأمانِها وثقتِها بمحيطِها، فاخترتُ البقاءَ، أمَّا مشقَّة الطريقِ فكان يُهوِّن منها أنْ نهايته ابتسامةُ طفلةٍ بريئةٍ تنتظر مَن يمسك بيدِها، ويساعدهَا في تجاوز صعوباتها، وأشارت إلى أنَّ تعلُّمَها «لغة برايل» كان تجربةً ثريَّةً عَـلَّمتها أنْ ترى بقلبها، ورسَّخت إيمانها بأنَّ العجزَ الحقيقيَّ هو عدم مقدرتنا على احتواء مَن حولنا).
*****
* وهنا شـكرًا جدًّا وجدًّا الأستاذة نجلاء الدقدوقي، على تضحيتها وعطائها، وهي التي بصمت على أنَّ التربية تسبقُ التعليم بقولها: (رسالتِي للمعلِّمِينَ والمعلِّمات قد لا يتذكَّر الطلابُ والطالباتُ موادَّكُم الدراسيَّة، لكنَّهم لن ينسوا أبدًا مشاهدَ ما تقدِّمُونَه لهم مِن مسؤوليَّة ومواقفَ تربويَّةٍ)، ويبقى.. كثيرةٌ هي الحكاياتُ والتجاربُ الإنسانيَّةُ، التي تحتضنها مؤسَّساتُنا في مختلف القطاعات، فلعلَّ إدارات الإعلام والتواصل المؤسَّسي تلتفتُ لها، وترويها لتصل للمجتمع؛ ليُفيد منها، ويقتدِي بها شبابُه وناشئتُه، وسَلامَتكُم.


